ليس لى

شعرتُ ببرودة الأرضية الرخامية ترتفع لتخنقني. كانت جملة الطبيب هاريس تدور في رأسي كشريط مكسور: “جزء الكبد الذي تبرعتِ به زُرع لمريض آخر. شخص لا يمت لك بصلة.”
لم يكن الأمر متعلقًا بالخـ. . يانة في تلك اللحظة بقدر ما كان متعلقًا بالإنكار المطلق للواقع. جسدي كان مُمزقًا، وأنا أسأل نفسي: لماذا؟ لماذا عذاب العملية إذا لم يكن دانيال هو المستفيد؟
”لا، أنت تكذب.” تمتمت، والصوت بالكاد يخرج من حلقي. “دانيال… هو مريض التليف الكبدي في المرحلة النهائية. لا يمكن أن يكون قد اختفى للتو.”
تنهد الدكتور هاريس بعمق، يمرر يده على شعره الأشيب. لقد كان طبيبي وطبيب دانيال لسنوات. عيناه كانتا تحملان عبء ما هو أكبر بكثير من خطأ إداري في المسـ,ـتشفى.
”سيدتي ريتشي، أرجوكِ تمالكي نفسكِ. جلستنا مسجلة رسميًا، ويجب أن أكون صادقًا معكِ. زوجكِ… لم يكن بحاجة إلى الكبد قط.”
تجمدتُ في مكاني. هذه المرة، لم يمل العالم حولي، بل انشطر.
“ماذا تقول؟”
”تشخيصه الأولي، الذي تم منذ ستة أشهر… كان خاطئًا. أو بالأحرى، كان مُلفقًا.” خفض صوته إلى همس لا يكاد يُسمع، وكأنه يخشى جدران الغرفة. “قبل ثلاثة أيام، أي في يوم العملية، وصلتنا معلوما.ت جديدة من مصادر… خارجية. تُفيد بأن فحوصات دانيال كانت سليمة تمامًا. لم يكن هناك تليف، ولم يكن هناك فشل كبدي وشيك.”
لم أستطع التنفس. الحب الذي يربطني به، الذكريات، الخوف الذي شاركناه سويًا… هل كان كل ذلك كذبة متقنة؟
”إذًا… إذا كان بصحة جيدة، أين هو؟ لماذا لم يأتي إليّ؟” سألته وأنا أشد على قطعة قماش من ملاءة السرير.
نظرة هاريس تحولت من الازدراء إلى حزن عميق. “بعد أن تأكدنا من حالته الصحية، حاولنا الاتصال به قبل الجراحة بلحظات. لم يرد. في الواقع، لم يكن في المستشفى أبدًا في يوم العملية. سجلات دخوله كانت مزورة. لقد قام بالتوقيع على وثائق التبرع، وأدخل اسمه كمتلقي، ثم اختفى. اختفى تمامًا بعد يوم من دخوله الأولي للمستشفى، تاركًا لي… هذا الوضع الكارثي.”
”زوجكِ استخدمكِ، سيدتي ريتشي. استخدم مرضًا لم يكن يعاني منه لتتخلي طوعًا عن جزء من جسدكِ.”
الفصل الثالث: الثمن والحقيقة المُرّة
شعرتُ بالصدمة تتبلور إلى غض*ب بارد. كل ما مررت به—الألم، الحمية القاســ . ــية، التوقيع على وثائق المخاطر—كلها كانت مجرد مسرحية ليقوم دانيال بدور الضحيــ .ــة.
”لمن ذهب الكبد إذًا؟” سألتُ بحدة، أريدُ على الأقل أن أعرف أين ذهبت تضحيتي.
”ذهب إلى المريض صاحب الأولوية القصوى، السيدة إليزابيث شوارتز. ابنة… شخص ذي نفوذ كبير جدًا.” تنهد هاريس بمرارة. “بمجرد أن أدركنا أن دانيال ليس بحاجة للعضو، كان الأوان قد فات لوقف العمـ,ـلية. كان هناك متلقٍ آخر متطابق وفي وضع حرج. تم إجراؤها للحفاظ على سلامة العضو الحي ومنع إهداره، لكن الأمر برمته تم في سرية تامة لتجنب الفضيحة.”
”هل تعرف مكان دانيال؟”
هزّ رأسه. “لقد أبلغنا الشرطة… للتهر….ب من المسؤولية الجنائية. تزوير سجلات طبية، الاحتيال، وقد يرتقي الأمر إلى الاتجار بالأعضاء، على الرغم من أن المتلقي لم يكن له علاقة مباشرة بدانيال. هذا هو الجزء الذي لا أفهمه.”
وقعت الكلما.ت على رأسي كضر.بات المطرقة. دانيال لم يكن يبحث عن علاج. كان يبحث عن هر………….وب.
”الآن، يجب أن نتــ. ــحدث عنكِ،” قال هاريس، وعاد إليه شيء من اتزانه المهني. “لقد خضـ,ـعتِ لعملية كبرى. أنتِ تحتاجين إلى الشفاء والابتعاد عن هذا الضغط. ولكن يجب أن تعلمي أن هذا الموقف قد يعرضكِ لمسائلة قانونية، ليس كمتهمة، بل كشاهدة… أو كضحيــ .ــة.”
لكنني كنت أفكر بشيء آخر. دانيال لم يكن رجلًا ثريًا. لم يكن يمتلك ما يكفي من المال لتركيع مستشفى كبير مثل “سانت هيلينا” لهذا الحد من التلاعب. هذا يعني أن هناك قوة خفية تقف وراءه، قوة ساعدته في مسرحيته الهزلية.
خرجتُ من الغرفة، أجرّ قدمي، لأجد العالم في الخارج لا يزال يمضي كالمعتاد. لكن بالنسبة لي، كان كل شيء قد توقف. الكاب.وس لم يكن في اختفاء دانيال فحسب، بل في اكتشافي أن كل شيء كنت أؤمن به، كل قصة حياتنا، كان مبنيًا على رماد.
في تلك الليلة، بدأت أبحث. كانت يدي ترتعش وهي تفتح حاسوبه المحمول المهجور. لم تكن مفاجأة أن كل ملفاته الشخصية قد مُسحت. لكن كانت هناك رسالة واحدة، مخبأة في ملف مشفر بكلمة مرور غبية—تاريخ زواجنا.
الرسالة لم تكن لي. كانت موجهة إلى شخص يُدعى “المشرف”.
”لقد تم الأمر، سيدي. غادرتُ المستـ,ـشفى كما هو متفق عليه. الكبد في مكانه الجديد، وهي لا تزال تتعافى ولا تعلم شيئًا. الآن، أريد النصف الثاني من المبلغ. لقد وعدتني بالبداية الجديدة التي لن تجدني فيها أبدًا.”
كان دانيال قد باع تضحيتي.





