شاميه العارفيه

أنا اسمي هيثم، عندي 42 سنة، متجوز من أمل، وعندي بنتين، ايه ومكة. حياتي كانت بسيطة ومستقرة، شغل وسفر وبيت. وأنا بطبعي بحب السفر والمغامرة، يمكن أكتر حاجة كنت بهرب بيها من ضغط الدنيا. وده اللي خلاني أوافق هشام صاحبي لما قال لي نطلع المغرب ونلف شوية.
لحد ما لقينا نفسنا في جبال بني يزناسن، مكان هادي زيادة عن اللزوم. الهدوء فيه كان مقلق، كإن الجبل نفسه واقف بيتفرج علينا.
وإحنا ماشيين شوفنا ست قاعدة على الأرض، لابسة أسود من فوق لتحت، وشها متغطي، مفيش غير عينيها باينين. وقدامها حجارة متكسرة مرصوصة بطريقة غريبة.
قبل ما ألحق أعدي، رفعت راسها وبصت لهشام وقالت بصوت واطي تقيل:
أنا شامية، اللي مفيش حاجة عني مستخبية، بكشف الودع… وتعالى جرب يا جدع، هات إيدك واعرف نصيبك.
هشام بص لي وضحك وقال: إيه رأيك يا هيثم؟ تعالى نقرأ الكف.
قولت له باستغراب: إنت بتقول إيه؟ الكلام ده تخاريف وسيبك من الهبل ده.
الست بصت لي وقالت: شكلك خايف من نصيبك، صدقني يا ابني، نصيبك لازم هيصيبك.
لفيت وشي الناحية التانية وعملت نفسي ما سمعتهاش. هشام سألني تاني، ولما رفضت، قالى براحتك قرب من الست ومد إيده ليها. مسكتها وبصت فيها شوية وقالت: طريقك زين، حياتك زينة، زوجة وابن ما في زيّه، شوية مشاكل صغار ويتحلوا.
هشام اتلخبط وسألها انتى عرفتِى منين إني متجوز وعندي ولد؟
شامية: اللي مكتوب في الكف ما بيستخباش يا ولدى.
حسيت بتوتر غريب، بس “كنتُ مبسوط لأني أخذت منها طاقة الإيجابية.”. هشام قرب مني وقالى: جرب يا هيثم مش هتخسر حاجة انت عارف الموضوع هزار.
قربت من شامية وأنا قلبي مش مطمّن، إحساس بالضيق كان حجر على صدري من أول ما وقفت قدامها. مدّت إيدها ومسكت إيدي بقوة غريبة، قبــ,,ـــــضتها كانت ناشفة واديها زى الشوق، وضغطت على كفي بطريقة وجعتني.
شديت إيدي بسرعة وكأني بهرب منها، وقلت لها بعصبية: إنتِ متخلفة؟ إيه اللي عملتيه ده؟
وقبل ما ألف وشي وأمشي، رفعت راسها وبصّت لي بنظرة ثابتة، نظرة خلت جسمي كله يقشعر. وبصوت واطي، هادي، بس فيه حاجة تخوّف، وقالت: اللي شوفته ليك مش سهل… بس كله هيبان في وقته.
شامية اقتربت مني وبصّت لي بصوتٍ واطئ ثقيل وقالت: “بناتك مش أولادك، وأمل بتخونك مع أقرب الناس ليك.” الكلمة نزلت عليّ كالصاعقة، مخي توقف لحظة وبعدين انفجر، صرخت فيها وقلت لها: “أنتِ ست دجالة وكاذبة وحقيرة، تتهمين الناس بالباطل وتستغلين مخاوفهم علشان تخربي بيوت الناس.” هشام شدّني من ذراعي وقال لي: “خلاص كفاية كده، يلا نمشي.” وأنا ماشٍ سمعتها تقول بكل هدوء مستفز: “الغضب ما بيغيرش الحقيقة، والحقيقة ستظهر لوحدها.” سبت المكان ومشيت وأنا دمي يغلي، طوال الطريق وأنا أقول لنفسي كل اللي حصل ده كلام فاضي وكذب.
بس أول ما دخلت غرفة الفندق والمكان كله سكت، كلام شامية رجع يتعاد في دماغي من تاني. أول مرة في حياتي أفكر في أمل بهذا الشكل، وكرهت نفسي، بس الشك كان مثل شوكة دخلت ومش راضية تطلع. ثاني يوم رجعنا مصر وأنا مش طايق هشام بسبب الموقف الذي حصل. حاولت أرجع إنسان طبيعي مثل الأول، وصلت شقتي حــ,,ـــــضنت بناتي جامد وافتكرت كلام شامية، بصيت في عيونهن لثوانٍ، وبعدها حسيت بذنب فظيع أني فكرت مجرد تفكير في كلامها.
أمل كانت طبيعية ومبسوطة برجوعي، تتكلم وتضحك، بس الطبيعي نفسه بقى مقلق بالنسبة لي، كل حركة أصبحت محسوبة، كل مكالمة تليفون تقلقني، كل مرة تخرج أو تتأخر عن ميعادها، عقلي يسبقني بخطوة ويرجعني لكلام شامية. حياتي ابتدت تتلخبط، بقيت سرحان في الشغل، وبأغلط في حاجات عمري ما غلطت فيها، المدير نبهني مرة واثنتين، وأنا دماغي في حتة تانية.
بالليل وأنا قاعد لوحدي، الكلام رجع يتعاد من تاني في دماغي. بدل ما أقفل الفكرة، فتحتها بيدي، بدأت أفتش وراءها. رجعت سنين فاتت، حسبت تواريخ، أيام سفر، أيام كنت أغيب عن البيت. وبدون ما آخذ بالي، لقيت نفسي مش بدور على حقيقة واحدة… لقيت نفسي بفتح دائرة شك كبيرة، كل ما ألف فيها ألاقي وجوه كثيرة، أقارب وأصحاب، ناس كانت قريبة مني، وساعتها بس حسيت بالخوف الحقيقي، مش خوف إن حد خان… خوف إن عقلي نفسه بقى قادر يشك في الكل، وده كان أول مرة أفهم إن اللي بدأ بكلمة من ست غريبة، ممكن يهد بيت كامل من غير ما يلمسه.
في يوم كنت داخل المطبخ أشرب ماء، سمعت صوت أمل في الصالة تتكلم في التليفون، صوتها كان واطئ قوي، وقفت مكاني، سمعتها تقول: “لأ لأ لأ مش دلوقتي علشان هيثم موجود.” الكلمة دي جمدتني، حسيت قلبي سيخرج من صدري. أمل كملت وقالت: “ما ينفعش نتكلم في الموضوع ده هنا، خليه لما نشوف بعض.” سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت واطئ مكسور: “أنا مش مستعدة أضيع كل حاجة أنا استمحت علشانها سنين.” وأغلقت التليفون، ودخلت المطبخ ورأتني واقفًا، بصّت لي وقالت وهي متوترة: “أنت واقف كده من إمتى؟” قلت لها: “دلوقتي، أنتِ ليه بتسألي؟”. بصّت لي نظرة طويلة غريبة، وتركت المطبخ ودخلت غرفة النوم، وأنا فضلت واقفًا، دماغي واقفة، مش قادر أستوعب إيه الموضوع، ومين اللي بتكلمه؟
دخلت الصالة وقعدت على الكرسي وأنا تائه، أسئلة كثيرة تخبط في دماغي، أواجهها دلوقتي؟ ولا أستنى؟ موبايلها كان على الطاولة، مددت يدي وأخذته، بس ما كنتش مسامح نفسي على اللي هعمله. فتحت سجل المكالمات، لقيته فاضي، كله محذوف، ولا رقم واحد. الشك دخل قلبي أكثر، لأن اللي ما بيعملش حاجة غلط… بيحاول ما يسيبش وراه أثر. أغلقت الموبايل ورجعته مكانه، وكلام شامية يخبط في دماغي، وساعتها بس فهمت، إن الشك ما بقاش فكرة في دماغي… الشك بقى ساكن جوايا.
هيثم دخل غرفته بس ما كانش قادر ينام. أول ما الساعة بقت 7 الصبح قام لبس هدومه وراح شغله. هيثم قعد على المكتب وحط يده على دماغه. علي، زميله في الشغل، قال له: “أنت شكلك تعبان يا هيثم.” هيثم قال له: “ما نمتش طول الليل.” علي قال له: “طيب روح أنت ارتاح وأنا هقوم بالشغل بتاعك النهارده.” هيثم شكره ووصل العمارة، ركب الأسانسير وطلع. وهو بيفتح باب الأسانسير سمع صوت حد نازل على السلم، هيثم استغرب لأن أي حد في العمارة بينزل في الأسانسير. المهم فتح الباب ودخل الشقة.
أمل أول ما شافته اتخضت وقالت بصوت متوتر: “أنت جيت ليه بدري كده؟” هيثم بصلها باستغراب وقال لها: “أنتِ ما كنتيش عايزاني أجي ولا إيه؟” أمل قالت: “لأ مش قصدي كده، أنا قصدي أول مرة تيجي بدري عن معادك.” هيثم قال لها بنبرة فيها غضب: “عايزك تتعودي على وجودي في أي لحظة.” أمل اقتربت منه وقالت له: “أنا حساك متغير من وقت ما رجعت من المغرب.” هيثم لم يرد عليها وتركها ودخل غرفته عشان يغير هدومه.
فجأة شاف فردة سماعة بلوتوث واقعة على الأرض، مد يده ومسكها وهو مستغرب “السماعة دي إيه اللي جابها هنا وبتاعت مين؟ ما حدش فينا بيستخدم السماعة دي.” هيثم بص للسماعة بتركيز وافتكر إن كان في حد بينزل على السلم. هيثم خرج من الغرفة وهو غاضب جدًا، أمل شافته وهو مضايق جدًا وقالت له: “رايح فين؟” زقها فوقعت على الأرض، وتركها وخرج. نزل للبواب قال له: “يا عم شعبان، أنت شفت حد غريب دخل أو خرج من العمارة النهارده؟” شعبان البواب سكت شوية وبعدين قال له: “لأ يا أستاذ هيثم، ما شفتش حد غريب، اللي خرج أهل العمارة.” بس هيثم ما كانش مطمئن والشك يملأ قلبه وقال له: “أنا عايز أراجع الكاميرات.” البواب أدخله الغرفة وبدأ فعلًا يراجع الكاميرات وشاف اللي ما كانش متوقعه نهائيًا.
كان هيثم واقف قدام شاشة الكاميرات، إيده بتترعش وهو ماسك الماوس، الكاميرا جايبة مدخل العمارة، قرّب وشه من الشاشة وقلبه بيدق جامد لدرجة إنه حاسس إنه هيطلع من صدره، شاف شاب طويل لابس كاب، عمل تكبير للصورة، فجت الصدمة الكبيرة لما اكتشف إن ده هشام صاحبه، حس بدوخة ورجليه خانوه فمسك في الكرسي علشان ما يقعش، وفي لحظة واحدة افتكر كلام شامية إن الخيانة هتجيله من أقرب الناس ليه، حاول يكذب نفسه ويدوّر على أي مبرر، بص لشعبان وقاله بصوت مهزوز: هات تسجيل الكاميرا اللي دور شقتي، شعبان هز راسه وشغّل الكاميرا اللي فوق، وفي اللحظة دي باب الشقة اتفتح وخرج هشام من شقته.
في اللحظة دي ضــ,,ـــــرب هيثم الشاشة بإيده وصرخ صرخة هزّت العمارة كلها، وخرج من أوضة الكاميرات وطلع فوق، فتح باب الشقة فلاقى أمل قاعدة على الكنبة، وأول ما شافته قامت بسرعة ووشها شاحب، قرّب منها وقال بغضب: هشام كان هنا بيعمل إيه؟، أمل اتجمدت في مكانها ومقدرتش تنطق ولا كلمة، فقرّب منها أكتر ومسكها من شعرها وقال بصوت قوى مليان غضب: قولي الحقيقة دلوقتي قبل ما أتصرف معاكي بطريقتي.
انهارت أمل في العياط وقالت بصوت مكسور: أنا ما خنتكش يا هيثم، والله ما خنتك، هيثم ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع وقالها: أنا شوفت كل حاجة بنفسي وهو خارج من شقتي، أمل فضلت تعيط وقالت: أيوه كان هنا، بس مش علشان يخونك، علشان أنا اللي طلبت منه ييجي عشان يفتح معاك موضوع إننا ننفصل، في اللحظة دي هيثم حس إن قلبه اتشرخ من جوّه وقال بصوت مكسور: ننفصل؟ ننفصل ليه؟، أمل ردّت وهي منهارة من العياط: علشان مش مرتاحة في حياتي معاك.
سكت هيثم للحظة طويلة، لحظة نزلت فيها الحقيقة عليه زي الصاعقة، كان منهار من جوّه بس حاول يفضل ثابت قدامها، ساب أمل واقفة مكانها من غير ما حتى يبصلها، ودخل الأوضة وقفّل الباب وراه كأنه بيقفل على وجعه كله، وقعد على السرير ماسك راسه بإيديه، أنفاسه متلخبطة وصدره تقيل، وصوت أفكاره بتوجعة من غير رحمة وقال لنفسه: معقولة كل السنين دي وأمل بتخدعني؟ معقولة هشام، أقرب واحد ليا، يكون شريكها؟ معقولة أكون عشت عمري كله مجرد لعبة في إيديهم؟
بعد ساعة خرج هيثم من الأوضة، كانت أمل لسه قاعدة مكانها منهارة في العياط، قرّب منها وقال بصوت مكسور مليان وجع: حاولت أدور على أي مبرر ليكي، وللأسف ما لقيتش، كنت فاكرِك كل حاجة وفي الآخر طلعتِ ولا حاجة، أمل ردّت بصوت متقطع: العيب مش فيك، العيب فيا أنا، لكنه قطع كلامها وقالها بصوت مكسور: العيب الحقيقي إني اخترت إنسانة ما تعرفش يعني إيه تصون العِشرة وتراعي ربنا فيا، العيب مش فيكِى يا أمل، العيب فيا أنا، كان لازم من الأول أختار إنسانة مش شيطانة.
انهارت أمل أكتر وقالت وهي بتعيط: والله العظيم أنا ما خنتكش، أنا بس مش قادرة أكمل معاك يا هيثم، بص لها وقال بوجع: ليه؟ ناقصك إيه؟ أنا قصّرت معاكي في إيه؟، ردّت بصوت مهزوز: صدّقني أنا معرفش ليه، بس أنا مش مرتاحة، في اللحظة دي هيثم دمعته نزلت غصب عنه وهو سامع الكلام ده من مراته، مسحها بكف إيده، وراح فاتح باب الشقة، وقبل ما يخرج لفّ وبصلها نظرة مليانة حزن وكسرة وقال بصوت ثابت رغم الوجع: لما اخترتك كان بعقلي أنا، بس الانفصال كان بعقلك إنتِى، إنتِ طالق… طالق… طالق.
خرج هيثم وركب عربيته وساق من غير هدف، الشارع كان مليان ناس بس هو حاسس إنه لوحده، كأنه عايش في عالم تاني بعيد عن كل اللي حواليه، قلبه مكسور وعينيه مليانة دموع، وكل اللي قدامه كان شريط ذكرياته مع أمل، من أول مرة شافها فيها، لحد الخطوبة، وأول مرة سمع منها كلمة بحبك، ويوم فرحهم، وأول مولود شاله بين إيديه، وفجأة افتكر كلام شامية وهي بتقوله: بناتك مش بناتك، ساعتها عقله وقف وما حسّش بنفسه، وقرر يرجع الشقة علشان يعرف الحقيقة، هل دول بناته ولا بنات حد تاني، وفجأة وهو بيلف لقى عربية نقل كبيرة قطعت عليه الطريق، وفي لحظة واحدة العربية اختلت واتقلبت على الأسفلت.
الناس لمّت حوالين العربية وفتحوا الباب ولقوا هيثم مغمى عليه، طلبوا الإسعاف بسرعة، وجت وخدته على المستشفى، أول ما دخل الاستقبال الدكتور قال: لازم يتنقل فورًا لقسم الطوارئ علشان نعمل تقييم شامل وفحوصات، فتح الدكتور محفظته وطلع عنوان البيت وبعت عامل من المستشفى علشان يبلّغ أهله، وبالفعل وصل العامل لبيت هيثم، ولما سأل البواب جري وطلع على السلم وخبط على الباب جامد، أمل فتحت وإيديها بتترعش من الخبط، البواب قالها: الحقي يا ست هانم، الاستاذ هيثم عمل دــ,,ـــــادثة وهو في المستشفى، رد فعل أمل جه صادم، بصّت له وقالت بكل برود: وأنا مالي؟ هيثم خلاص ما بقاش جوزي، عندك أهله أولى بيه، اتصدم البواب من كلامها وقال بتردد: ممكن تديني عنوان أهل الأستاذ هيثم؟، ادّته العنوان، وقبل ما يمشي نادته وقالت ببرود أكتر: وإنت جاي هات معاك نجّار يغيّر مفاتيح الشقة، بص لها شعبان وهو مذهول وقال: حاضر.





