نواحى المقابر بقلم احمد محمود

نواحة المقبرة
من كام يوم بس أبويا رجع من السفر بعد غُربة لأكتر من 5 سنين كاملين، رجع أخيرا عشان يهد البيت اللي عامل زي العِشة ونبني بيت بالطوب الأحمر زي الناس الأغنيا واللي معاهم فلوس في بلدنا، أمي وقتها كانت طايرة من الفرحة ومسابتش بيت غير وراحت تتباهى قدام حريمه إن أبويا رجع من السفر عشان يبني البيت اللي بتحلم بيه واننا خلاص هيبقا لينا بيت عالي نشوف من على السطح بتاعه البلد كلها.
وفعلا أبويا متأخرش، جمعنا حاجتنا وروحنا نقعد عند جدتي في بيتها لمدة شهر لحد ما البيت يتبني ونرجع نعيش فيه، أمي كانت عايشة وقتها في كمية أحلام مالهاش أول من آخر، والبيت ده كان حلمها الأول والأخير وكمان جوزها رجع بعد غياب طويل أوي.
وبعد تلت أسابيع كنا على موعد مع كارثة كبيرة أوي، البيت بعد ما اتبنى وبقا له سطح وشكله بقا بيت محترم أبويا وهو واقف على السطح بيأكد على شغل العمال وقع من على سطح البيت على راسع واتوفى في لحظتها، أمي خرجت تصرخ بطريقة مشوفتش ست بتصرخ بيها في حياتي رغم إني كبنت حضرت جنازات كتير وكنت بقعد مع الستات.
أمي قعدت جمب ج*ثة أبويا شقت هدومها، حطت التراب على راسها، وبقت تتقلب في التراب زي الحيوان، محدش قدر يمنعها، كانت زي الحيوان الثاير، وفي النهاية أبويا اتشال على الخشبة وراح اتد*فن في المقـ,,ــــابر اللي البيت اتبنى جمبها بالظبط، أمي يومها اتبعت الجنازة وفضلت تصرخ لحد ما اتقفل عليه باب القـ,,ــــبرووقعت في غيبوبة شديدة بعدها، ومن الصُدف الغريبة إنك لو وقفت على سطح البيت كنت تشوف قـ,,ــــبرأبويا بوضوح شديد.
ورجعنا البيت في النهاية، بس البيت اللي اتوقف الشغل فيه وكان لسة متشطبش ولا كهربا ولا نقاشة، مجرد طوب ومتمحر بالأسمنت، والعمال وقفوا شغل لأن أبويا مـ,,ــات ومش عارفين مين هيكمل حسابهم، ومفيش حد كان عارف أبويا شايل فلوسه فين عشان نكمل البيت.
ووقعت أمي في نوبة اكتئاب رهيبة، ولا البيت اكتمل، ولا جوزها عاش وكمل، وفضلت تلعن العيون اللي حسدتنا مليون مرة، ومن يومها بدأنا نعيش حياة صعبة في بيت مفيش فيه أي كهربا، كنا بنام على السطح انا وأمي وأختي الصغيرة لأن الجو تحت كان لا يُطاق من الرطوبة، عايشين في بيت مفيش فيه أي روح ولا حياة.
أمي نفسها مع الأيام بقت منطفية، ولا بتاكل ولا بتشرب ولا بتتكلم، وكانت مع الأيام بتكلم نفسها، بل وكانت بتتعامل وكأن أبويا عايش وهيكملها البيت ويحقق حلمها، لحد ما بدأت أكتشف الحاجة المُرعبة، صحيت في يوم على صوت غير مفهوم وانا نايمة على السطح مع أختي وأمي، بس الغريب إني ملقتش أمي جمبي، دورت عليها لحد ما لمحتها من على السطح في وسط المقـ,,ــــابر واقفة قدام مقبرة أبويا عمالة تتمسح فيها وتنوح زي النداهة.
المشهد رعبني خاصةً إن أمي كانت بتتمشى زي الحيوان حولين المقبرة على أربع أطراف مش طرفين بس، حاولت أنادي عليها مقدرتش، شكل المقـ,,ــــابر ونواح أمي في قلب الليل خلى لساني يتشل مكانه، استنيت كتير لحد ما رجعت وـ,,ــــفاتحتها تاني يوم، يومها بصتلي بصة جمدت الدم في عروقي وهددتني إني متدخلش في اللي بتعمله أبدا.




