فاتوره الغدر

يـوم ما حـماتي طلبـت “إيجـار” مـن أمـي بعـد ما قعـدت شهر كـامل تشـيلني أنا وابنـي في شيـلتها.. الـيوم ده بالـذات عرفـت إن جـوازي انتـهى، وإن الراجـل اللي اخـترته مكنش الـسند اللي كـنت مـستنياه.
يوم ما بنتي شرفت الدنيا، أمي ركبت الأتوبيس ١٨ ساعة، جاية من آخر الصعيد عشان تكون جنبي. شهر كامل، أمي خست فيه يجي ٦ كيلو من كتر الشغل والخدمة في بيتي، وفي آخر يوم في سبوعي.. حماتي دخلت علينا بشنطة سفر “فوشيا” فخمة وفي إيدها آلة حاسبة!
قالت ببرود مستفز: بقلم منــال عــلي
— “بما إن والدتك قعدت هنا تلاتين يوم، يبقى لازم تسوي حساب مصاريف البيت قبل ما تمشي.”
أنا اسمي فاطمة.
عندي ٢٩ سنة.
ولحد اليوم ده، كنت لسه هبلة وبصدق إن في إهانات مستحيل تحصل بين الأهل.. بس كنت غلطانة.
ولادتي كانت “قيصري” في مستشفى خاص في المهندسين. كانت ولادة صعبة، نزفت كتير، وأول أيام كانت عبارة عن ضباب من الوجع، والأدوية، وقلة النوم، والخوف من إني أعمل حاجة غلط مع حتة لحمة حمراء لسه مولودة.
وفي الوقت اللي كنت فيه في المستشفى بحاول أتعلم إزاي أرضّع بنتي.. كانت حماتي بتنزل صورها في “ريزورت” في شرم الشيخ مع صحباتها.بقلم منــال عــلي
فاكرة كويس اللحظة اللي دخلت فيها أوضة المستشفى.
ريحة برفيوم نفاذة.. نظارة ماركة.. لبس بحر.
شالت بنتي أقل من دقيقتين، اتصورت معاها كام صورة، وقالت بمنتهى الحماس:
— “هنزلها فوراً على جروب الشلة، البنات هيم*و*توا ويشوفوا حفيدة (الهانم)!”بقلم منــال عــلي
افتكرت إنها جاية تساعد، خصوصاً إنها طول الحمل كانت بتقول: “لما تولدي يا حبيبتي، مش هخليكي تشيلي هم حاجة.”
بس فجأة قفلت شنطتها وقالت:بقلم منــال عــلي
— “أنا حاجزة الرحلة دي من قبل الولادة، مكنش ينفع أضيع الفلوس عليا.”
بصيت لـ ياسين جوزي، مستنية منه رد فعل، أي كلمة.. بس ياسين اكتفى بإنه هز كتافه وقال:
— “ما هي أمي برضه من حقها ترتاح يا فاطمة.”
ترتاح؟
وأنا مش عارفة حتى أقوم من السرير!بقلم منــال عــلي
أمي وصلت المستشفى تاني يوم الصبح.
طرحة ملفوفة أي كلام، شنطة قماش بسيطة على كتفها، وعيون حمراء من تعب السفر والمانيكروباصات.
أول ما شافتني وأنا بحاول أتعدل بوجعي، رمت الشنطة على الأرض وجريت خدتني في حضنها:
— “اهدي يا بنتي.. خلاص، أمك جت، وجت لك بالدنيا.”
وفعلاً، أمي عملت كل حاجة.. كل حاجة!
في المستشفى كانت بتغير البامبرز، تهز البيبي، تمسك لي كيس المحلول وأنا بتمشى ببطء في الطرقة، وتدلك لي ضهري وأنا بعيط من الألم.
أمي ست قصيرة، وجسمها ضعيف، بس كانت بتشيل بنتي بالساعات عشان تخليني أنام ولو ربع ساعة متواصلة.
ولما رجعنا الشقة في القاهرة، الموال بقى أصعب.
أمي كانت بتصحى قبل الفجر.بقلم منــال عــلي
تعمل شوربة خضار.. عسل أسود.. مغات.. أكل طازة كل يوم.
تغسل الهدوم، تمسح الشقة، وتنام بالبنتي في أوضتها عشان أنا أرتاح.
لمدة شهر كامل، الست دي لغت وجودها كبشر.. بقت بس “أم، وجدة، وممرضة، وشغالة”.. وعمرها ما اشتكت، ولا مرة.
في الوقت ده، ياسين كان طول الوقت “مضغوط في الشغل”.
سبحان الله، مكنش بيبان في البيت خالص.
دايماً عنده:
اجتماع..
زحمة طريق..
عميل مهم..
سهرة مع أصحابه “يفك عن نفسه”.
أمي كانت لسه بتشيل همه وتقول لي:بقلم منــال عــلي
— “يا بنتي شوفي جوزك اتعشى ولا لأ؟”
بعتت له معاه “لانش بوكس” فيه أكل بيتي للمكتب.. رفض ياخده وقال لها بترفُّع:
— “أنا مابحبش الأكل المسبك بتاع الأرياف ده.”
وقتها عديتها، بس دلوقتي فهمت.. مكنش الأكل اللي مضايقه، كانت “الكسفة”.
ياسين كان مكسوف من بساطة أمي.بقلم منــال عــلي
وفي اليوم التلاتين، حماتي رجعت من السفر.
دخلت الشقة كأنها “مفتشة صحية”.. تمسح بإيدها على العفش، وتبص للمطبخ بقرف.
بعدين قعدت على الكنبة بكل برود وفتحت نوتة صغيرة:
— “بصي يا ستي..”
بصت لأمي مباشرة وقالت:بقلم منــال عــلي
— “أنتي قعدتي هنا بالتمام والكمال تلاتين يوم.”
أمي ابتسمت بطيبة وهي مش فاهمة:
— “أيوة يا ست الهوانم.. فاطمة كانت لسه محتاجة حد جنبها.”
حماتي مسكت الآلة الحاسبة:بقلم منــال عــلي
— “اليوم بـ ٥٠٠ جنيه استضافة.. غير استهلاك الماية والكهرباء.”
جسمي كله تلاّج:
— “بتقولي إيه يا طنط؟”
كملت بتدوس على الزراير كأن ده شيء طبيعي جداً:
— “يعني الحساب كله ١٥ ألف جنيه.”
أمي اتسمرت في مكانها، وإيدها بدأت تترعش وهي حطاها في حجرها:
— “أنا.. أنا مش فاهمة.”
حماتي قالت:بقلم منــال عــلي
— “إيجار قعدتك هنا.. مفيش حاجة بلاش اليومين دول.”
بصيت لياسين فوراً، مستنية يخرسها، يوقف المهزلة دي.. بس جوزي اتنهد وقال ببرود:
— “يا فاطمة.. حتى بين الأهل لازم يكون فيه وضوح مادي، عشان محدش يشيل من حد.”
الجملة دي وقعت عليا أصعب من وجع الجرح.
أمي حاولت تبتسم، الابتسامة المنكسرة اللي بيعملها الناس الطيبين لما يتهانوا ويحاولوا يداروا وجعهم:
— “لو كنت تقيلة عليكم، أنا ممكن أدفعهم بالتقسيط من معاشي…”بقلم منــال عــلي
ساعتها حسيت بحاجة بتتحطم جوايا.
عشان الست دي:
قطعت مشوار من آخر الدنيا..
مانامتش شهر كامل..
غسلت هدومي اللي كانت غرقانة دم..
وصرفت من معاها على الأكل والشرب..
وفي الآخر بتعتذر كأنها كانت “حِمل” على البيت!
قلت بصوت طالع بالعافية بس حاد زي الس*ك*ينة:
— “مش محتاجين تقسيط يا ست الكل.”بقلم منــال عــلي
طلعت الموبايل، وحولت الـ ١٥ ألف جنيه فوراً لحساب حماتي.
موبايل حماتي رن، بصت فيه وابتسمت برضا:
— “كده الحسابات تبقى نظيفة.”
بس أنا فضلت باصة لياسين.. مستنية.. أي علامة خجل، أي ذرة دم.. مفيش.
حماتي كملت كلامها بالقشة اللي قطمت ضهر البعير:
— “دلوقتي بقى بعد ما والدتك تمشي، لازم نجيب شركة تنظيف تعقم الشقة كلها من أول وجديد.”
أمي بربشت بعينها:
— “تعقمها؟”
ياسين رد بمنتهى الطبيعية:بقلم منــال عــلي
— “أيوة يا ست الكل.. أنتم برضه جايين من الأرياف، وهنا في القاهرة بنخاف من الميكروبات والبكتيريا عشان مناعة البيبي.”
نفسي انقطع.
بصيت لأمي.. سكتت خالص، بس عيونها اتملت دموع في ثانية.
أمي.. أنظف ست عرفتها في حياتي.
اللي كانت بتمسح البلاط وهي ساجدة من كتر النظافة.
اللي قضت شهر بتطبخ وتمسح وتغسل ليهم.. بيعاملوها كأنها “وباء”.
في اللحظة دي، في حاجة ماتت جوايا للأبد.
أمي طبطبت على دراعي وقالت بوشوشة:
— “يا بنتي.. فوتيها.. مش عايزة أخرب عليكي بيتك بسببي.”
حتى وهي متهانة.. لسه خايفة عليا.
وده اللي دمرني بجد.
لإني وقتها اكتشفت حقيقة مرعبة:بقلم منــال عــلي
الشخص الوحيد في البيت ده اللي بيحبني بجد.. هو اللي بيحاولوا يطردوه كأنه غريب.
بصيت لحماتي وهي بتبتسم بانتصار..
لياسين وهو بيلعب في موبايله كأن مفيش كارثة حصلت..
للشقة اللي مكنتش هتتفرش لولا الفلوس اللي أبويا وأمي ساعدوني بيها في الجهاز.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزت.. حسيت بهدوء غريب.
هدوء مرعب.
خدت الشنطة من إيد أمي، وابتسمت ببطء:
— “تمام.. مفيش مشكلة.”بقلم منــال عــلي
ياسين رفع عينه أخيراً:
— “فاطمة؟”
عدلت بنتي في حضني، ورديت بصوت واطي:
— “أنت وأمك علمتوني النهاردة تمن الغربة في بيتي.. وعلمتوني مين اللي يتقال عليه فعلاً (عيلة).”
يتبع في الجزء الثاني…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *