الصدمه

الباشا رما الفستان الفاضح تحت رجليها وقال لها قدام الكل: “البسي ده في حفلة الليلة وسط ضيوفي وشركائي.. وهخليكي هانم البيت ومراتي”، ومكنش يعرف إن البنت الغلبانة اللي حب يكسر عينها، هتحط مناخيره في الطين في نفس الليلة وبطريقة تخليه يركع على ركبه قدام القصر كله وهو بيموت من الصدمة. في فيلا سليم بيه الهواري، كل حاجة كانت بتمشي بالمسطرة وقواعد صارمة متخرش المية، الخدم مكنش ينفع يرفعوا عينهم في عين سليم بيه، والستات مكانش ليهم صوت، وأي غلطة تمنها الطرد الفوري والخراب. القواعد دي كانت جاية على دماغ بنت غلبانة اسمها ليلى، جت تشتغل في الفيلا من سنة واحدة بس بعد ما أبوها مات وملقتش حتة تروحها هي وأمها العيانة وأخوها الصغير، وكان القرش اللي بتاخده من هنا هو طوق النجاة الوحيد اللي مخلي عيلتها عايشة مستورة. بس ليلى مكنتش زي باقي الشغالين، مكنتش بتعرف تطاطي راسها ولا تسكت على الظلم، وده اللي خلى كل اللي في البيت يخافوا عليها لأن سليم بيه كان جبار وعصبيته بتطير فيها الرقاب.
في الليلة دي، الفيلا كانت مقلوبة وبتستعد لحفلة هيدخلها حيتان السوق، شركاء أجانب بمليارات، ووزرا، ورجال أعمال تقال. القاعة الكبيرة كانت بتلمع بالشمعدانات الدهب، والمطربين بيظبطوا الصوت، والبودي جاردات واقفين على الأبواب يفتشوا النملة. ليلى كانت واقفة مع البنات بيرصوا السيرفيس على السفرة الطويلة، وفجأة واحد من الحراس زق عم عبده، الراجل العجوز اللي شغال في الجنينة من سنين، من غير ما يقصد. صينية الكاسات الكريستال الغالية اتنطرت في الهواء ونزلت اتدشت ميت حتة على الأرض، والسكوت حل على المكان كأن على رؤوسهم الطير. سليم بيه التفت بحدة وعينه بتطلع شرار، وعم عبده بدأ يتأسف وجسمه كله بيترعش ودموعه في عينه، بس الباشا مسابهوش يكمل كلمته، مسكه من ياقة قميصه وضربه بالقلم على وشه قدام كل الخدم والحراس. محدش جرؤ يتنفس أو يرفع عينه، إلا ليلى اللي خرجت من وسط البنات ووقفت في الوش وقالت بصوت قوي سمع الكل: “عم عبده ملوش ذنب، الحارس بتاعك هو اللي زقه وغلط فيه.”
الدنيا اتجمدت، والشغالات نزلوا راسهم في الأرض وركبهم بتخبط في بعض، وواحدة همست جمبها: “يخرب بيتك.. أنتي اتجننتي!” سليم بيه لف وشّه بالبطيء وبص لليلى لثواني مكنش مصدق إن فيه شغالة في بيته تتجرأ تعمل كدة، وقال بنبرة هادية بس تخوف بلد: “أنتي بتعدلي عليا يا بت؟” ليلى متهزتش ولا رجعت خطوة ورا وقالت له وعينها في عينه: “الفلوس والباشوية مبتديش حد الحق إنه يهين شيبة الناس ويذلهم.” الصدمة لجمت القاعة، وحتى البودي جاردات بصوا لبعض برعب. سليم بيه ضحك فجأة ضحكة عالية بس عينيه كانت مليانة غل، وشاور بإيده لواحد من رجالته، جاب له صندوق قطيفة أحمر كبير. فتحه وطلع منه فستان أحمر جريء وفاضح جداً، قماشه شفاف ومكشوف بشكل لا يمكن بنت ناس تلبسه. رماه تحت رجلي ليلى في التراب وقال بصوت سمعه الكل: “البسي الفستان ده الليلة في الحفل وسط شركائي والوزرا، وهكتب عليكي وأخليكي مراتي وهانم القصر، ولو رفضتي.. هرميكي أنتي وعيلتك في الشارع ومش هخليكم تلاقوا لقمة العيش في البلد دي كلها.”
الضحكات الخبيثة طلعت في المكان، والستات داروا وشهم، والرجالة ابتسموا بسخرية، وشغالين كتير بصوا لليلى بشفقة وكسرة، بس ليلى منقذتش ولا دمعة، وطت على الأرض بهدوء، شالت الفستان ومشت من غير ما تنطق بحرف. الكل كان متأكد إنها يا إما هتيجي بليل مكسورة العين وتعمل اللي قال عليه، يا إما هتاخد عيلتها وتهرب وتختفي للأبد.
لما الليل ليل والحفلة بدأت، الفيلا بقت حتة من أوروبا، أضواء ومزيكا ورجال الأعمال مالين المكان، وسليم بيه قاعد في النص وعلى وشه ابتسامة النصر، ومقعد شركائه الأجانب جمبه عشان يوري ليهم سطوته وسيطرته. فجأة المزيكا هديت خالص، والكل التفت ناحية السلم الكبير.
ظهرت ليلى.. مرتدية نفس الفستان الأحمر.
الهمس والغمز اشتغل في ثانية، والرجالة بصوا لبعض بابتسامات صفراء، والشغالات وطوا راسهم من الخجل. سليم بيه وقف وابتسم بثقة وهو حاسس إنه كسر كبرياء البنت اللي اتحدته، ونزلت ليلى بالراحة وسط نظرات العيون اللي بتاكلها. سليم بيه رفع كاسه وقال بصوت عالي وسط ضيوفه: “أهو شفتوا؟ حتى اللي عاملين فيها أصحاب مبادئ وكبرياء، في الآخر بيخضعوا تحت رجلينا!” والكل ضحك وسقف.
بس في اللحظة دي، ليلى وقفت في نص القاعة بالظبط، وبكل ثبات قلعت الفستان الأحمر الفاضح ور مته في وش سليم بيه قدام الوزراء والشركاء الأجانب، وظهرت من تحته وهي لابسة بدلة حراسة رسمية سوداء مقفولة بالكامل، وعليها الشارة الدولية لمكافحة الفساد وتهريب الأموال! وبصوت هز حيطان الفيلا طلعت كارنيه وفلاشة صغيرة وقالت في المايك: “أنا الملازم أول ليلى من مباحث الأموال العامة، والشركة وهمية والخدمة هنا كانت غطائي بقالي سنة.. اللعب انتهى يا سليم يا هواري، والفيلا محاصرة.” سليم بيه الكاس وقع من إيده، وركبه خانته ونزل بركبه على الأرض قدام شركائه والحراس وهو مش قادر ينطق، خاصة لما ليلى قربت منه وهمست في ودنه بالسر المرعب اللي خلى جسمه كله يتنفض ويفهم إن نهايته مش مجرد سجن، دي حاجة تانية خالص مكنش يتخيلها.. لو عايز تعرف ليلى قالت له إيه وصدمة سليم الهواري الحقيقية طلعت إيه، اكتب “تم” عشان يوصلك الجزء التاني فوراً!

