العوده لمشيره محمد

​أحمد قرب من والدته ونزل إيدها من على إيدي بالراحة، وبص لها وقال:

​”يا أمي، المسامح هو ربنا. أنا مش شايل منكم حاجة، بس الوجع اللي عيشتونا فيه مبروحش في كلمة ونص. أنا اتغربت وشقيت وتبهدلت في أول سنتين، وكنت بشتغل ورديتين عشان أقدر أدفع إيجار الشقة دي وأجيب لبنتي لبسها ولأمي علاجها. في الوقت اللي كنتوا بتصيفوا فيه في أوروبا وتصرفوا ألوف المؤلفة، أنا مكنتش لاقي اللي يسلفني ألف جنيه أفك بيه زنقتي.. ومرفعتش سماعة التليفون عليكم عشان كرامتي.”

​حمايا وقف وقال بصوت باكي:

​”حقك عليا يا ابني.. أنا مستعد أعوضك عن كل ده. أنا هكتبلك الشقة الكبيرة اللي في الزمالك باسمك، والمصنع اللي فاضل هتديره أنت وليك نصيب الأسد فيه. بس ارجعوا عيشوا وسطنا.. متوجعوش قلبي أكتر من كده.”

​هنا أحمد ابتسم ابتسامة حزينة وهز راسه بالرفض:

​”لأ يا بابا.. الشقة الكبيرة والمصانع مش هتعوضني عن الليلة اللي بنتي سخنت فيها ومكنتش ملاحق على تمن الدكتورة. أنا مش عايز فلوس، ومش هسيب حياتي هنا ولا شقتي دي. أنا هنا عملت اسمي بنفسي، والناس هنا بتحبني لشخصي مش لعيلتي وفلوسي.”

​في اللحظة دي، “فريدة” الصغيرة سابت عروستها وقامت مشيت بخطواتها الصغيرة ووقفت بين أحمد وحمايا. بصت لحمايا وقالت ببراءة الأطفال:

​”عمو.. أنت بتعيط ليه؟ هو أنت زعلان من بابا؟”

​حمايا نزل على ركبه فجأة وبقى في مستواها. مد إيده وهو بيترعش ولمس خدها الناعم، وقال وصوته رايح خالص:

​”لأ يا قلب عمو.. أنا مش زعلان من بابا، أنا زعلان من نفسي.. أنا جدو يا فريدة.. أنا جدو اللي كان مسافر ورجع.”

​فريدة بصت لوالدها كأنها بتستأذنه، فأحمد هز راسه بابتسامة خفيفة مليانة حنية. فريدة فجأة رمت نفسها في حضن حمايا وقالت له:

​”أنا بحبك يا جدو.. متعيطش تاني.”

​الراجل العجوز انهار تماماً وفضل حاضن البنت وبيعيط بصوت عالي، وحماتي راحت حضنتهم هما الاتنين.

​العهد الجديد.. الرضا لمن يرضى

​بعد اللحظة دي، الأجواء هديت شوية. قعدنا كلنا، وعملت لهم شاي، وقعدنا نتكلم. أحمد مأخدش منهم فلوس، ولا رضي يسيب مدينتنا الصغيرة، ولا وافق يرجع يعيش تحت جناحهم زي زمان. هو صمم يفضل مستقل ببيته وبشغله وبكرامته.

​لكن، إحنا مقطعناش صلة الرحم. اتفقنا إن حمايا وحماتي هيجوا يزورونا كل أسبوع، وفريدة هتروح تقعد معاهم في الإجازة الكبيرة. أحمد قالهم جملة أخيره قبل ما يمشوا، كانت بمثابة درس العمر لينا كلنا:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *