سرقت فلوس

“إوعي تنطقي بكلمة… ولو أمك عرفت، هقولهم انتي اللي سرقتيها سنة كاملة!”
بصيت لها وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، وقلت لها بعصبية: “إنتي اتجننتي؟! ده اتفاق بيني وبينك… أخدتي فلوسك كل مرة!”
ضحكت وهي بصالي باستهزاء وقالت: “كان زمان… دلوقتي يا تديني نص الفلوس من هنا ورايح، يا أفتح بوقي وأقول لأخوكي ولأمك كل حاجة… وساعتها محدش هيصدق غيري.”
في اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا… لأول مرة الكلمة خبطت في قلبي زي الس*كينة لما قالت: “إنتي سرقتي أمك.”
رجعت البيت وأنا مش قادرة أبطل عياط… ومن ساعتها وأنا بسأل نفسي: هو أنا فعلًا بقيت حرامية؟ ولا الظروف هي اللي وصلتني لكده؟
أنا محتاجة أحكيلكم من الأول…
أمي ست كبيرة ومريضة وقاعدة، وربنا موسع عليها جدًا، وكل أسبوع بتطلع إطعام بحوالي خمسين وجبة، وتفضل تدعي وهي فرحانة إنها بتأكل الغلابة لوجه الله.
أما أنا… بنتها… ظروفي المادية بقت صعبة جدًا.
كل مرة أطلب منها تساعدني، ترد بنفس الجملة: “استحملي… لما أموت هتورثيني أنا وأخوكي.”
وأخويا أصلًا ربنا فاتحها عليه، متجوز ومستواه المادي كويس، وأنا والله ما كنت ببص في رزقه، ولا عايزة آخد منه حاجة… كنت بس محتاجة أمي تقف جنبي.
لكن كانت كل أسبوع تدفع آلاف الجنيهات في الإطعام، وترفض تديني أي مساعدة.
ومع الوقت… الشيطان لقى باب يدخل منه.
اتفقت مع البنت اللي بتخدم أمي إنها ما تطلعش الإطعام خالص، وتقسم الفلوس بينا… وهي تبعتلي نصيبي على الكاش.
مرة ورا مرة…
أسبوع ورا أسبوع…
وسنة كاملة عدت… وأمي فرحانة ومقتنعة إن ثواب الإطعام بيوصلها، وأنا كل ما أبصلها وهي بتدعي، قلبي يوجعني وأقول: يمكن ده حقي… ويمكن أنا بعمل أكبر ذنب في حياتي.
لكن اللي حصل من يومين… قلب كل حاجة رأسًا على عقب…
يتبع…

فضلت طول الليل مش عارفة أنام… كل ما أغمض عيني أسمع صوت البنت وهي بتقول:
“إنتي سرقتي أمك… ولو ما ادتنيش نص الفلوس هقول كل حاجة.”
ولأول مرة من سنة كاملة… حسيت إن الفلوس اللي كنت مستنياها كل أسبوع بقت نار في إيدي.
تاني يوم الصبح رنيت عليها.
قلت لها: “نتقابل.”
قالت بكل برود: “هاتي الفلوس الأول.”
قلت: “مش هديكي جنيه زيادة.”
ضحكت وقالت: “براحتك… الساعة خمسة هكون عند والدتك، وساعتها هتعرفي يعني إيه فضيحة.”
قفلت السكة في وشي.
فضلت أبص للموبايل وأنا مرعوبة.
لو راحت لأمي… هتكرهني العمر كله.
ولو راحت لأخويا… مستحيل يسامحني.
ولو الشرطة دخلت في الموضوع… هبقى أنا والبنت متهمين.
ركبت أول مواصلة وسافرت عند أمي من غير ما أبلغها.
طول الطريق كنت بدعي ربنا يعدي اليوم ده على خير.
وصلت البيت لقيت أمي قاعدة على كرسيها، أول ما شافتني ابتسمت وقالت:
“خير يا بنتي؟ جيتي من غير ما تقولي؟”
حضنتها… ولأول مرة من سنين حضنتها وأنا ببكي.
قالت وهي مستغربة: “مالك؟”
قلت بسرعة: “ولا حاجة… كنت جاية أشوفك.”
وفضلت قاعدة مستنية البنت تيجي.
الساعة عدت أربعة…
وبعدين خمسة…
وفجأة سمعنا خبط على الباب.
قلبي وقع.
البنت دخلت.
أول ما شافتني اتجمدت.
لكن بعدها بثواني رجعت ابتسمت وقالت لأمي:
“الحمد لله… الإطعام جاهز زى كل أسبوع.”
أنا استغربت.
قلت في نفسي… هي مش كانت هتفضحني؟
لكن فهمت بعدها إنها مستنية نبقى لوحدنا.
وبالفعل نزلت معاها على السلم.
أول ما الباب اتقفل قالتلي:
“آخر كلام… نص الفلوس… وإلا كل حاجة هتطلع.”
قلت لها: “اعملي اللي انتي عايزاه.”
قالت: “يبقى استحملي.”
طلعت جري على أمي قبل ما البنت تدخل تاني.
وقلت في نفسي…
خلاص… لازم أعترف بنفسي قبل ما حد يفضحني.
قعدت قدام أمي.
إيدي كانت بتترعش.
قلت: “يا أمي… أنا عايزة أقولك حاجة، ويمكن بعد اللي هقوله تكرهيني طول عمرك.”
بصتلي باستغراب وقالت: “قلقتيني… قولي.”
وأنا ببكي حكيت كل حاجة…
من أول يوم…
لحد آخر جنيه أخدته.
كل كلمة كنت بقولها كانت بتحسسني إني بدفن نفسي بإيدي.
لما خلصت…
بصيت في الأرض مستنية إنها تصرخ… أو تطردني… أو تضربني.
لكن اللي حصل صدمني.
سمعت صوتها وهي بتبكي.
وقالت: “أنا اللي غلطت لما سيبت بنتي توصل للمرحلة دي… لكن اللي عملتيه ذنب كبير يا بنتي.”
وقامت نادت على أخويا.
جالي وأنا منهارة.
افتكرت إنه هيضربني.
لكنه سكت لحد ما سمع كل حاجة.
وبعدين قال للبنت اللي كانت واقفة:
“والفلوس اللي خدتيها سنة كاملة؟ ترجعيها كلها… وإلا هبلغ عنك.”
البنت حاولت تنكر.
لكن أخويا كان مسجل مكالمتها الأخيرة وهي بتهددني، لأني كنت باعتاهاله قبل ما أوصل من خوفي.
أول ما سمعتها عرفت إنها انتهت.
اعترفت بكل حاجة.
ورجعت جزء كبير من الفلوس.
وأخويا أصر إنه يدفع الباقي لأمي من جيبه علشان يطلع الإطعام الحقيقي للفقراء، وقال:
“حق الغلابة لازم يرجع.”
أما أنا…
طلبت من أمي تسامحني.
وقالتلي وهي ماسكة إيدي:
“أنا مسامحاكي كأم… لكن التوبة الحقيقية إنك ترجعي الحق، وتستغفري ربنا، وما تمديش إيدك لمال مش مالك مهما كانت ظروفك.”
ومن يومها اشتغلت شغل إضافي، وكل شهر كنت برد جزء من الفلوس لأمي، وهي كانت ترفض تاخدها لنفسها وتقول:
“هنطلعها صدقة عن اللي فات.”
استغرق الأمر شهورًا طويلة، لكن الحمد لله رجعت كل اللي أخدته.
والدرس اللي اتعلمته…
إن الاحتياج عمره ما يدي الإنسان حق ياخد مال غيره، حتى لو كان شايف إنه مظلوم… لأن الغلط ما بيتصلحش بغلط أكبر منه.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *