خراب بيوت 1 حكايات منى السيد

_ اخرجي من مطبخي حالًا! مش فارق معايا إنكِ كنتِ فاكرة إنكِ بتعملي خير! إنتِ رميتي شوربة الدايت اللي كنتِ عاملاها في الحوض، ووقفتي تطبخي محشي وممبار ومقليات كلها سمنة بلدي عشان ابنك حاسّة إنه خس! أنا ست البيت دي، مش إنتِ! شيلي حلك وكل اللي جبتيه واطلعي بره!…
صرخت مروة وهي ماسكة طرف الفوطة اللي لفاها حوالين جسمها بإيديها المرتعشتين بعد ما خرجت من الحمام.
صوتها كان عالي، لكن مروحة الشفط كانت شغالة بأقصى قوة، ورغم كده مش قادرة تشيل الدخان اللي مالي المطبخ.
حكايات_مني_السيد
المطبخ الأبيض اللي مروة فرشت له قلبها قبل شهر واحد بس، بقى شكله كأنه مطبخ محل كشري وقت الزحمة.
ريحة السمنة البلدي والزيت المحروق كانت خانقة، والدخان ماسك في الحيطان والدولاب وحتى شعرها اللي لسه غسلاه.
لكن حماتها… الحاجة أم أحمد… ولا حتى لفت وشها.
كانت واقفة قدام البوتاجاز بكل برود، وتقلب في طاسة حديد كبيرة جايباها معاها من بيتها، وكأن المطبخ ده مطبخها هي.
قالت من غير ما تبص لها
وطي صوتك شوية… هتفضحينا قدام الجيران. أحمد راجع من الشغل جعان، وأسيبه ياكل إيه؟ الشوربة الخضرا اللي عاملاها؟ دي ما تتقدمش لقطة، أومال راجل بيشتغل طول النهار هيعيش على البروكلي؟
مروة قربت منها وهي حاسة إن رجليها بتلزق في الأرض من الدهون…حصري علي صفحة روايات و اقتباسات…
بصت للحوض…قشر بصل، وقشر بنجر، وبقايا خضار، وآثار دهن ماليين الحوض، وعلى الرخامة البيضا الغالية، كانت حتة لحمة سايحة، والدم بينزل منها وبيمشي ناحية الحيطة.
شهقت وهي بتقول
وإنتِ مالك أصلًا بإحنا بناكل إيه؟! أنا عاملة شوربة دايت تكفينا تلات أيام! رجعت من الشغل ميتة، دخلت أخد دش عشر دقايق… أخرج ألاقيكي قلبتي بيتي زريبة!
الحاجة أم أحمد بصتلها باستهزاء.
الزريبة كانت في الحلة اللي عاملاها. رميت الشوربة في الحوض… خفت المواسير تتسد منها! دي عاملة زي العلف. الراجل لازم ياكل لحمة وسمنة. ابني بقى وشه أصفر من يوم ما اتجوزك.
الكلمة نزلت على قلب مروة زي السكينة…لفت تبص على دواليب المطبخ…بقع صفراء صغيرة من السمنة مرشوشة على الأبواب اللامعة…كل حاجة كانت بتلمع بقت مغطية بطبقة دهنية… حصري علي صفحة روايات و اقتباسات…
همست وهي بتحاول تمسك نفسها
إنتِ بوظتي مطبخي…
ردت أم أحمد بمنتهى الثقة
امسحيها بفوطة وخلاص. هو إنتِ عاملة المطبخ متحف؟ المطبخ معمول للطبخ، مش للفرجة.
صرخت مروة
مش همسح حاجة! وأحمد مش هيأكل الأكل ده! إحنا بقالنا شهور بناكل أكل صحي! إنتِ دخلتي البيت من غير إذن، بالمفتاح اللي إديناهولك للطوارئ، وقلبتي الدنيا!
ضحكت الحاجة أم أحمد بسخرية.
أنا أم أحمد… وأدخل بيت ابني وقت ما أحب. مراته مش بتعرف تطبخ، أسيبه يجوع؟ المفروض تشكريني إني واقفة على رجلي من الصبح عشان أطبخله.
وقفت مروة تبصلها..في اللحظة دي ما بقتش شايفاها حماة…
بقت شايفاها واحدة جاية تحتل بيتها…حلة المحشي بتغلي.
وطاسة اللحمة بتفرقع، والريحة خانقة الشقة كلها.
قالت مروة بصوت هادي لكنه مرعب
اطلعي بره.
ردت أم أحمد وهي بتقلب اللحمة
مش طالعة… لما أخلص الأكل الأول.
الجملة دي كانت آخر نقطة…مروة حست إن كل ذرة صبر جواها انتهت…قربت من البوتاجاز بسرعة…الحماة حاولت تمنعها…لكن مروة كانت أسرع.
لفت طرف الفوطة على إيدها، ومسكت يد الطاسة السخنة بكل قوتها.
صرخت أم أحمد
إنتِ اتجننتي؟! نزليها! دي لحمة بفلوس!
لكن مروة كانت خلاص خرجت عن السيطرة…رفعت الطاسة الحديد الثقيلة…ولفت ناحية الحوض.
وقالت وهي بتصرخ
أهو ده مكانها!
وبكل قوتها قلبت الطاسة كلها جوه الحوض..قطع اللحمة والمقليات وقعت مرة واحدة، وفورًا فتحت الحنفية على آخرها…المية الساقعة خبطت في السمنة والزيت المغلي…
وفجأة…طلع صوت فرقعة مرعب، وسحابة بخار ضخمة غطت المطبخ كله…الدهون اتناثرت على الرخامة، والدولاب، والإزاز…وأم أحمد صرخت وكأن حد قتل حد قدامها…يتبع
حكايات_مني_السيد
سحابة البخار اللي طلعت من الحوض كانت عاملة زي قنبلة غاز، المطبخ الأبيض اتقلب ل غُرزة في ثواني. صوت تشّشة الزيت والسمنة البلدي مع المية الساقعة كان بيعمل صوت زي ضرب النار، وبقع السمنة طارت في كل حتة؛ لزقت على وش أم أحمد، وعلى دراع مروة، وعلى الحيطان اللي لسه مدهونة جديد.
أم أحمد رجعت خطوتين لورا وهي بتصوت وتلطم على خدوها بصوت يصحّي الميت
يا مصيبتي ياما! يا خراب بيتك يا أحمد! اللحمة! اللحمة البلدي اللي جايباها الشئ الفلاني تترمي في الحوض يا مجنونة؟! ده إنتِ قرّبتي تتجنني رسمي! ربنا ينتقم منك يا شيخة!
مروة كانت واقفة مكانها، صدرها بيعلو ويهبط بسرعه، الفوطة اللي لفاها حوالين جسمها بدأت تفك من كتر الحركة، لكنها مكانتش حاسة بحاجة خالص. عينيها كانت مبرقة وهي باصة للحوض اللي بقى عبارة عن مستنقع من الدهون، قطع اللحمة المحمرة بقت عايمة وسط قشر البصل والمية المغلية، والريحة اتقلبت لزفارة تخنق.
رمت الطاسة الحديد في الحوض برزع هزّ الرخامة كلها، وبصت لحماتها بنظرة خلت الست الكبيرة تخرس لحظة من الخوف. مروة قالت بصوت طالع من حشرجة في زورها
ولسه… ولسه يا حاجة! حلة المحشي دي كمان لو مخدتيهاش ونزلتي حالا، هقلبها في باسكيت الزبالة قدام عينيكِ! أنا مش مجنونة… أنا واحدة بتدافع عن بيتها اللي إنتِ جاية تدوسيه برجليكِ!
أم أحمد لوت بوزها وبصت ل مروة من فوق لتحت وهي بتمسح بقعة زيت جت على جلابيتها
تدوسيه برجلي؟ بقى أنا جاية أطبخ لابني اللي هيموت من الجوع وأعمله لقمة رِمّة ترم عادمه، تقوليلي بتدوسي بيتك؟ الله في سماه لما ييجي أحمد لوريهاله قلة رباوتك دي! ده أنا اللي مربياه ومكبره، تيجي حتة عيلة زيك تطردني من بيته؟
ده بيتي أنا وهو! صرخت مروة وهي بتشاور بصابعها السبابة في وش أم أحمد بيتي اللي دافعة فيه دم قلبي في جهازه، بيتي اللي مفيش مخلوق يدخله من غير إذن! المفتاح ده… جريت مروة على الصالة، وجابت سلسلة المفاتيح اللي كانت محطوطة على ترابيزة السفرة، وفكت منها المفتاح الاحتياطي ورجع تلمطبخ حدفته في صدر حماتها المفتاح ده تنسيه خالص! مفيش دخول هنا تاني وأنا مش موجودة!
أم أحمد اتلقفت المفتاح وهي هتموت من الغل، عينيها كانت بتطلع شرار. حطت المفتاح في جيب جلابيتها وقالت وهي بتعدل طرحتها بعصبية
ماشي يا مروة… المفتاح أهو معايا، وبيتك ده قسماً عظماً ما عتبة داخلاه تاني، بس لما أشوف المحروس جوزك هيعمل إيه لما يعرف إنك رمتي شقايا وتعب طول النهار في الحوض وقليتي بأمي الأدب!
شالت أم أحمد حلة المحشي الكبيرة بفوطة المطبخ وهي بتتحلطم وتدعي
حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ.. إلهي يجعله بفايدة.. بقى المحشي والكرنب اللي قاطمة ضهري فيه من الفجر يترمي؟ لأ ده أنا هخده معايا، والجدع ابن بطني ييجي ياكل عندي، ويسيبك هنا تاكلي في نفسك وتشبعي بالبروكلي بتاعك!
خرجت الست الكبيرة من المطبخ وهي بتجر رجليها بغل، ورزعت باب الشقة وراها رقعة هزت الحيطان والنجف في الصالة.
أول ما الباب اتقفل، مروة حست إن رجليها مش شايلاها. سحبت كرسي من كراسي السفرة وقعدت عليه وسط الصالة. الدموع اللي كانت حبساها طول الخناقة نزلت مرة واحدة زي السيل.
لمحة نيوز



