خراب بيوت 2

نزلت مروة على السلم والشنطة التقيلة في إيدها بتخبط في الدرجات الرخام، الصوت كان بيعمل صدى في مدخل البيت المظلم. أول ما وصلت للدور الأرضي، شافت باب شقة حماتها موارب، وصوت شيماء أخت أحمد كان طالع بوضوح وهي بتقول بضحكة شماتة
أهو سابها ونزل وعرّفها مقامها! تلاقيها قاعدة فوق دلوقتي بتاكل في نفسها زي الفأر المحبوس. تستاهل عشان تلم دورها بعد كده وتعرف إن الله حق!
مروة وقفت ثانية واحدة، حست بنار قايدة في صدرها، وكان نفسها تدخل تدشمل الشقة فوق دماغهم، بس مسكت نفسها. لأ.. طريقتهم دي ميتنزلش لمستواها، قالت لنفسها وهي بتجر الشنطة بعزم ما فيها وبتفتح باب العمارة الكبير وتخرج للشارع.
الهواء البارد بتاع الليل خبط في وشها، حست فجأة إنها مش قادرة تتنفس والدموع اللي حبستها قدام أحمد نزلت شلالات. الشارع كان هادي، ومفيش غير كام دكان فاتحين على الخفيف. مشيت كام خطوة وهي بتترعش، وطلعت موبايلها ب إيد مهزوزة وطلبت أوبر. قعدت مستنية على الرصيف، باصة لشنطتها وباصة لشبابيك شقتها فوق.. الشقة اللي كانت من ساعتين بس حلم حياتها، ودلوقتي بقت مكان غريب ومخيف.
فوق في الشقة، أحمد كان واقف في الممر زي الصنم، عينيه مركزة على النقطة اللي مروة
كانت واقفة فيها قبل ما تمشي. صوت رزعة الباب كان لسه بيرن في ودانه.
مشيت؟ بالسهولة دي؟ قال لنفسها وهو مش مصدق إن مروة، البنت الرقيقة اللي كان بيموت في تراب رجليها، يكون عندها القسوة والجبروت ده كله عشان خاطر خناقة في المطبخ.
دخل الصالة، لقى ريحة المعقمات والنظافة مآثرة في الجو، وكأن مفيش أي خناقة حصلت. دخل المطبخ، وبص على الكيس الأسود اللي مروة سابتهوله على الرخامة. فتحه.. لقى جواه الطاسة الحديد بتاعة أمه، مغسولة وبتلمع ومفيش فيها بقعة دهون واحدة.
مسك الطاسة وحس بتقل في قلبه. مروة نظفت كل حاجة قبل ما تمشي، سابتله البيت زي ما استلمه، بس أخدت معاها روح المكان.
تلفونه رن في جيبه، أخرجه ولقى اسم أمه. كنسل عليها وهو مش قادر يتكلم، ورمى التلفون على السفرة وقعد وحط راسه بين إيديه. كان حاسس إنه متكتف؛ من ناحية كرامة أمه اللي شايل عيل همها طول عمره، ومن ناحية مراته اللي حاسس إنه كسرها وظلمها لما زقها ومسمعهاش.
بعد حوالي نص ساعة، وصلت مروة قدام بيت أهلها في حي مصر الجديدة. نزلت من العربية وهي بتجر رجليها بالعافية. دخلت العمارة وطلعت في الأسانسير، وأول ما وقفت قدام الباب، حست بغصة في حلقها. يا ترى هقول لبابا إيه؟ هقوله اطلقت في أول شهرين جواز عشان حلة محشي؟.
داست على الجرس وهي بتدعي ربنا يدّيها القوة. فتح الباب أبوها، الحاج عادل، راجل وقور بشعر أبيض وملامح طيبة. أول ما شاف مروة بالشنطة الكبيرة ووشها المخطوف وعينيها الورمانة، ملامحه اتقبضت وخاف
مروة! بنتي! في إيه يا حبيبتي؟ مالك؟ وإيه الشنطة دي؟ أحمد جرى له حاجة؟
مروة أول ما شفت وش أبوها، كل التماسك اللي كانت عاملاه انهار. رمت يد الشنطة وبكت ب شهقات عالية هزت جسمها كله
تعبانة يا بابا.. تعبانة أوي.. أحمد طردني وكسرني..
خرجت أمها، الست كريمة، على صوت العياط، وصوتت وصربت على صدرها
يا مصيبتي! بنتي مالك؟ تعالي يا حبيبتي تعالي.
أبوها أخدها ودخلها الصالة، وقعدها على الكنبة وهو بيطبطب عليها بحنان ويهديها، وأمها جريت جابتلها كوباية مية بسكر. مروة فضلت تشرب وهي بتشرق من كتر العياط، لغاية ما بدأت تهدأ شوية.
قعد الحاج عادل قدامها وبص لها بنظرة كلها هيبة وحب
اتكلمي يا مروة.. فهميني إيه اللي حصل بالظبط؟ أحمد عمل إيه؟ إنتِ عارفة إن أحمد ابن حلال وأنا منقّيه بنفسي، إيه اللي يوصل الأمور للشنطة والنزول في نص الليل ده؟
مروة بدأت تحكي.. حكت من أول ما دخلت الحمام وخرجت لقت حماتها بتطبخ وبتبهدل المطبخ ورمت الشوربة، لحد كلام أم أحمد واستهزائها بيها، ولما حكت عن لقطة الطاسة واللحمة اللي رمتها في الحوض، أمها شهقت وقاطعتها
يا نهار مش فايت يا مروة! رميتي اللحمة في الحوض قدام حماتك وطردتيها؟ يا بنتي دي ست كبيرة ومقامها من مقام أمك! مهما عملت مكانش ينفع تتصرفي بالجهل ده!
مروة بصت لأمها بوجع وعتاب
حتى إنتِ يا ماما؟ إنتِ مش شايفة إنها دخلت بيتي بالمفتاح من غير إذن؟ مش شايفة إنها رمت أكلي وبوظتلي حاجتي وقالتلي أكلك علف ما يتقدمش لقطة؟ أنا كنت بدافع عن نفسي!
الحاج عادل رفع إيده وسكّت مراته، وقال ل مروة بنبرة هادية بس جادة
كملي يا بنتي.. أحمد لما جه عمل إيه؟
أحمد لما جه قالت مروة والدموع بتلمع في عينيها تاني مسمعنيش يا بابا. زعقلي وقالي دي أمي تدخل في أي وقت، والبيت بيتي وأنا اللي دافع تمنه وأمي ليها حق فيه أكتر منك. ولما جيت أمنعه ينزل لها عشان ميسيبنيش مكسورة، زقني قدام الباب ونزل، وقالي أمي متتخيرش واشبعي بنظافتك وقوانينك. ولما طلع لقى الشنطة، قالي انزلي بوسي إيدها ورأسها قدام أختها شيماء، يا إما لو خرجت ورقتي هتوصلك.. وأنا خرجت يا بابا.
الحاج عادل اتنهد تنهيدة طويلة ومسح على دقنه البيضا. ملامحه اتقلبت من القلق للغضب، بس غضب مكتوم ومتزن.
لمحة نيوز





