قلب تحت الحراسه

اسم “الضبع” هو اللي كان ينور ويطفي على شاشة التليفون.. اسم أول ما يتقال في السبتية أو وكالة البلح أو حتى في أروقة الحسابات القديمة، الركب بتخبط في بعضها والقلوب بتقف. “حامد الضبع”، الراجل اللي يبيع ويشتري في أي حد، والعدو الأكبر لكايل في السوق. لكن أغرب حاجة مكنتش الاسم نفسه، أغرب حاجة كانت النظرة اللي ظهرت في عين كايل في كسر من الثانية، النظرة اللي تحول فيها من الملاك الحارس اللي بيطبطب عليكي ويداري دمعتك، لجبل الجليد اللي يقت*ل بدم بارد من غير ما يرمش له جفن.
جسمه اتشد تحت إيديكي، عضلات دراعه لفت حوالين كتفك بشكل تلقائي كأنه بيحاوطك بدرع صلب من قماش، وعينيه سحبت كل الحنان اللي كان فيها ورجعت قاسية زي حديد الصلب. مد إيده التانية ببطء شديد، مسك الفون من غير ما يشيل عينه من على وشك، ورد بسكون يقطع النفس.. سكون ألعن مية مرة من الزعيق.
“عايز إيه يا ضبع؟”
الصوت كان هادي.. هادي زي الهدوء اللي بيجي قبل الإعصار بالضبط. أنتِ حبستي أنفاسك، حاطة إيدك على صدره وحاسة بضربات قلبه العنيفة والمشحونة بغضب مكتوم، قريبة منه للدرجة اللي تخليكي سامعة الفحيح اللي جاي من السبيكر بتاع التليفون. صوت راجل عجوز ونبرته خبيثة زي التعالب، بيضحك ضحكة مقطوعة ومشروخة: “مساء الخير يا معلم كايل.. جيت أطمن عليك، أصل قالوا لي إنك سبت الهيلمة والس/لاح وعمليات المقاولات كلها في السبتية ودخلت منطقة المعادي، وواقف بعربيتك تحت عمارة سكنية هادية خالص.. غريبة يعني! المعلم كايل الفيشاوي كبر وخرف وبقى له نقطة ضعف تنمسك منها ولا إيه؟”
في اللحظة دي، أنتِ حسيتي بالثلج بيجري في عروقك. الدموع اتجمدت في عينيكي والشهقة وقفت في زورك. الضبع عارف المكان! عارف إن كايل هنا، وعارف إنك موجودة! الخوف مسك في قلبي كأن حد بيعصر حشاكي. كنتِ لسة طالعة من صدمة الدكتور والمشروع الضايع، لقيتي نفسك فجأة في نص حرب عصابات وس/لاح وأناس ما بترحمش.
لكن كايل.. كايل متهزش. ولا ملليمتر.
بالعكس، ابتسم.. ابتسامة خفيفة أوي ظهرت على جنب شفته، ابتسامة مرعبة تخلي الشايط يترعب. نزل عينيه لعينيكي، مسح طرف دمعتك بصباعه الكبير بالراحة خالص وهو لسة حاطط الفون على أذنه، وقال بنبرة واثقة يتهز لها جبال: “الضبع لما بيقرب من عرين الأسد.. مابيرجعش بجلده يا حامد. وأنت عارف كويس إن المنطقة اللي أنا واقف فيها دي، لو فكرت بس تعدي من أول الشارع بتاعها، هخلي ج/ثتك هي اللي تنور الرصيف الليلة. جرب حظك كده وشوف مين اللي هيكمل للاخر.”
سكت ثانية واحدة، وساب الكلام يدخل في عقل التاني زي السم، وبعدها قفل السكة في وشه من غير ما يستنى يسمع رد. رمى التليفون على السرير كأنه حتة زبالة مالهاش قيمة، وبص لوشك اللي أبيض كأنه حتة طابة.
الرعب كان باين في كل تفصيلة في وشك، شفايفك بظرفها بترتعش، وإيديكي المحبوسة بين إيديه كانت بتترعش من كتر الخوف. كايل شاف المنظر ده، وعينيه اللي كانت من ثانية بتطلع شرار، انطفت ونزل عليها الستار الدافئ تاني. قعد على ركبتيه أكتر، قرب وشك منه وحط كفيه الاتنين على خدودك المحمرة من العياط والخوف، ودلك خدك بصباعه الكبير بمنتهى الرقة.
“اهدي يا روحي.. اهدي خالص.” بصوت واطي يداوي الجروح، كأنه بيهديكي.
أنتِ بلعتي ريقك بالعافية وتكلمتي بصوت متقطع: “كايل.. ده.. ده مين؟ هو عارف أنا مين؟ هو هيعمل حاجة؟ أنا خايفة…”
كايل ابتسم ابتسامة هادية جداً، ابتسامة الراجل اللي مسيطر على كل شبر في العاصمة ومش سايب خرم إبرة للصدفة. “تخافي وأنا جنب حيطة بيتك؟ تخافي وأنا باخد النفس جنبك؟ والله العظيم لو الدنيا كلها اتقلبت فوق بعضها، ما حد يقدر يمس شعرة واحدة منك طول ما فيّ نفس بيدخل ويخرج. الضبع ده دبانة بتزن عشان عايز قرشين، وهو عارف كويس لو فكر بس يلمس طرف طيفك، أنا همسحه من على وش الأرض باللي جابوه.”
مسح شعرك ببطء، ونزل براسه شوية لحد ما جبينه لمس جبينك، وخلاكي تبصي في عينيه البنية الغامقة اللي كان فيها ثبات يهدد أي خوف جواه. “أنتِ نسيتي أنا مين ولا إيه؟ أنا كايل يا سمر.. اللي الكل بيعمل له ألف حساب. بس قدامك أنتِ، أنا أضعف من إن أي حاجة تمسك. بلاش الخوف ده يسرق مننا الليلة. أنتِ جاية تعبانة من الكلية، والدكتور الرخيف ده نكد عليكِ.. ومش هسمح لواحد زي الضبع ولا غيره يكمل على بقية يومك.”
طلعي تنهيدة طويلة كأنك بتطلعي الخوف كله مع الهواء. كلامه، ونبرة صوته، والدفا اللي طالع من إيديه، كان زي الترياق اللي بيمشي في الدم ويهدي ضربات القلب العالية. هزيتي راسك بالراحة، وغمضتي عينيكي وأنتِ حاسة بكتفه المفرود يسندك.
كايل قام وقف ببطء، طوله الهيبة وجسمه العريض غطى إضاءة الأبجورة السهاري اللي في الأوضة. مد إيده ليكي بصبر: “يلا قومي معي.. سيبك من السرير ومن الكآبة دي.”
مسكتي إيده وقومتي معاه، حسيتي رجليكي مش شايلاكي أوي من كتر التعب النفسي، بس إيده كانت ماسكة فيكي بجمدان. مشي بيكي لحد الصالة، قعدك على الكنبة المريحة، وجاب لك كبلت ودفاية لفي بيها جسمك، ودخل المطبخ!
المنظر نفسه كان سينمائي وغريب.. راجل بوزن وهيبة كايل الفيشاوي، ببدلته الأنيقة اللي متفصلة مخصوص، وقميصه الأفراد اللي مشمر أكمامه لحد كوعيه ومبين ساعته الثمينة ووشم قديم على دراعه، واقف في مطبخ شقة طالبة في الكلية، بيفتح التلاجة وبيدور على حاجة تعمليها تاكليها!
أنتِ قعدتي تبصي عليه من برة، الباب بتاع المطبخ مفتوح، وشايفة كل حركة بيعملها. الخوف من مكالمة الضبع بدأ يتلاشى تدريجياً ويحل محله الذهول من الراجل ده. الراجل اللي السبتية كلها بترتعد من خطوته، واقف دلوقتي بيغسل كباية، وبيسخن لك شوربة وبيعمل لك سندوتشات جبنة بيضا بالطماطم والنعناع زي ما بتحبيها بالضبط!
طلعي بصوتك المبحوح من العياط: “كايل.. أنت بتعمل إيه؟ سيب أنا هقوم أعمل…”
طلع رأسه من المطبخ وبص لك بنظرة تحذير فيها حب: “خليكي مكانك ملفوفة في البطانية.. لو شفت رجلك لمست الأرض الباردة دي هتحصل مشكلة. أنتِ النهاردة الملكة وأنا الخدام بتاعك.”
ابتسمتي غصباً عنك.. ابتسامة خفيفة طلعت وسط حزنك، ووجع قلبك من كلام الدكتور بدأ يقل. بعد خمس دقايق، طلع كايل وشايل صينية صغيرة عليها الأكل، وحاطط معاه كباية شاي بنعناع سخنة بتطلع بخار. حط الصينية على الترابيزة القريبة منك، وقعد على الأرض قدام الكنبة، مش على الكنبة جنبك.. قعد تحت، تحت رجليكي على السجاد، وعينيه مرفوعة لك بحنان خالص.
“يلا يا ستي.. اكلتي حاجة من الصبح؟”
هزيتي راسك بنفي: “لا.. ماليش نفس من ساعة ما الدكتور رمى المشروع.”
كايل مسك السندوتش وقربه من بؤك: “ماليش نفس دي تقوليها لأي حد غيري. افتحي بؤك يلا.. لقمة عشان خاطري، ولا خاطري هان عليكِ؟”
أكلتي اللقمة الأولى ببطء، وطعم الأكل والأجواء الهادية بدأت ترجع لك روحك. كايل كان بيبص لك وأنتِ بتاكلي بمنتهى الشغف، كأنه بيتفرج على أعظم إنجاز عمله في حياته. لما شربتي بق شاي، قعد يتكلم معاكي بصوت هادي، يفتح موضوعات تانية خالص عشان ينسيكي، يسألك عن صاحباتك، وعن الأيام اللي جاية، ويضحكك بهزار خفيف وعامي متفصل على مقاسك.
فجأة، أنتِ افتكرتي كلام الدكتور وتنهدتي تنهيدة مكسورة: “عارف يا كايل.. أنا تعبت أوي في المشروع ده. أسبوع كامل ما بنامش غير ساعتين في اليوم، عيوني اتدمرت من شاشة اللاب، وفي الآخر بكل بساطة يقول لي ‘ده كلام فارغ وعيديه من الأول’! حسيت إن ماليش قيمة.. إن كل تعبي مالوش معنى.”
كايل مسك إيدك اللي كانت ماسكة كباية الشاي، وبص في عينيكي بكل جدية وقال لك بنبرة قوية تخترق العقل: “بصي لي هنا يا سمر.. الدكتور ده، أو أي حد تاني في الدنيا دي، مالوش الحق إنه يحدد قيمتك أو يقول إن تعبك مالوش معنى. الدكتور ده شايف ورق وقلم ورسم هندسي، لكن أنا شايف البنت اللي سهرت الليالي وقافرة على نفسها وعايزة تنجح بجهدها ومجهودها الذاتي من غير ما تطلب مساعدة من حد.. شايف العزيمة اللي جواكي. إعادة المشروع دي مش تقليل منك، دي علقة بياخدها الشاطر عشان يطلع أحسن ما عنده ويحط جزمة في عين اللي يتكلم.”
سكت ثانية وابتسم ابتسامة خبيثة: “وبعدين.. هو اسمه إيه الدكتور ده؟ ورقم تليفونه إيه؟”
أنتِ شهقتي وفتحي عينيكي على الآخر: “كايل! أوعى تكون بتفكر تعمل حاجة! ده راجل كبير ومقام وعنده عقد نفسية بس!”
ضحك ضحكة عالية من قلبه، ضحكة رجت صدره العريض وخلت شكله يجنن: “يا بنتي اهدى! هو أنا هروح أضربه بالس/لاح؟ أنا بس بقول أسأل عليه.. يمكن محتاج ‘نصيحة’ مهذبة من حد من رجالتي يخلوه يراجع أوراقه تاني بلطافة ويشوف إن مشروعك ده تحفة معمارية مالهاش مثيل!”
شديتي إيده بسرعة وأنتِ بتضحكي وسط دموعك: “لا والاهي لا! أوعى تعمل كده يا كايل، أرجوك! لو عرف إنك تبعي أو حصل له حاجة أنا هسقّط في المادة دي رسمي!”
“خلاص خلاص..” قالها وهو بيبوس إيدك بالراحة، “عشان خاطرك أنتِ بس هسيبه في حاله.. بس بشرط.”
“إيه هو؟”
“من بكرة.. نقعد سوا، أو تجيب لي اللاب توب ونشوف الطلبات اللي هو عايزها، وأنا هجيب لك أكبر مهندس في الشركة عندي يقعد معاكي يفهمك التكات اللي الدكتور عايزها، وأنتِ اللي هتكتبيه وتعمليه بإيدك برضه. اتفقنا؟”
دموعك نزلت تاني، بس المرة دي كانت دموع امتنان وحب حقيقي. حسيتي إن الدنيا مهما كانت ظالمة وقاسية برة، ومهما كانت الأيام بتعاندك، الراجل ده واقف زي السد المنيع بينك وبين أي وجع. مديتي إيديكي وحضنتيه جامد وهو قاعد على الأرض، حطيتي راسك على كتفه العريض ودفنتي وشك في رقابته اللي كانت ريحتها برفيوم غالي ومميز، خليط بين العود والحطب والرجولة الصافية.
كايل لف دراعاته حواليكي وزرع رأسه في شعرك، وشهد نفس طويل كأنه بيملا صدره بوجودك. “ربنا ما يحرمك مني.. ولا يحرمني من وجودك يا سمر.”
الهدوء ساد المكان لمدة دقائق.. هدوء جميل ودافئ، صوت أنفاسكم الهادية كان هو الموسيقى الوحيدة في الأوضة. النور كان خافت، والسكون بيلف الشقة كلها. كان يبان إن كل حاجة رجعت لمكانها، وإن الليل هيعدي بسلام وأمان..
بس الأقدار في عالم كايل الفيشاوي ما بتنامش.. ولا بتسيب حد يرتاح.
فجأة، ومن غير أي مقدمات.. الصوت الرتيب بتاع الشارع برة اتقطع.
سمعتوا صوت فرامل عربيات تقيلة بتكسر الصمت تحت العمارة! مش عربية واحدة.. عربيتين أو تلاتة ميكروباصات وقفوا في نفس اللحظة برعونة وصوت صرخة كوتشات على الأسفلت. وبعدها على طول، صوت ضربة مكتومة جامدة في البوابة الحديد بتاعة العمارة تحت!
كايل اتخشب في مكانك في ثانية.
جسمه كله اتحول لكتلة من العضلات المشدودة. الحنان اللي كان في عينيه اختفى في لمحة، ورجعت العينين الباردة السريعة اللي بتقرأ الموقف في جزء من الثانية. شالك بالراحة من عليه وحطك على الكنبة، وقام وقف بمنتهى الهدوء والسرعة في نفس الوقت.
أنتِ جسمك اترعش تاني والخوف رد في قلبك بضعف: “كايل.. إيه الصوت ده؟ ده.. ده الضبع؟”
كايل ما ردش باللسان، مد إيده لورا ضهره تحت البليزر، وطلع طبنجة سودا مطفية، شكلها يرعب، وسحب الأجزاء بصوت ‘تك’ هادي وموت. بص لك ونظرته كانت آمرة ومش قابلة للمناقشة:
“ادخلي الأوضة جوة.. واقفلي الباب بالمفتاح. وما تفتحيش لأي حد في الدنيا غير لما تسمعي صوتي أنا شخصياً بيطلب منك تفتحي. فاهمة يا سمر؟”
“كايل أرجوك متسبنيش! تعال ندخل جوة سوا وخلينا نكلم الشرطة!”
ابتسم ابتسامة قصيرة سردية سريعة، فيها ثقة تخض: “الشرطة؟ يا روحي.. الشرطة بتيجي بعد ما أنا بخلص شغلي. ادخلي الأوضة بسرعة، وما تخافيش.. محدش هيعدي من باب الشقة دي وأنا لسة باخد النفس.”
قبل ما تلحقي تتكلمي أو تتحركي من مكانك، سمعتوا صوت خطوات تقيلة وكثيرة بتجري على السلم بطريقة مفزعة.. خطوات ناس طالعة بتجري ومسلحة، وصوت سرينة عربية حراسة بتاعة كايل اللي كانت تحت بتبدأ تضرب بصوت واطي!
كايل زقك بالراحة باتجاه الأوضة، ودخلتي وأيدك بتترعش وقفلتي الباب بالمفتاح زي ما قال لك، وقفتي ورا الباب وقلبك بيلف في صدره زي العصفور المذبوح. سمعتي صوته برة وهو بيسحب كرسي قدام الباب وبيحطه، وبيقف بثبات وكأنه جيش لوحده مستني الغزاة.
وفجأة.. صوت خبطة مرعبة وهبدة جامدة هزت باب الشقة برة، وصوت الضبع بيصرخ من ورا الباب بنبرة تشفي وشر: “افتح يا فيشاوي! السبتية كلها هنا الليلة.. ومش هتنزل من العمارة دي حي!”
كايل رد برة بضحكة هادية وجذابة، ضحكة الراجل اللي مستني اللحظة دي من زمان، وسحبة أجزاء ثانية رنت في الصالة: “طب ما تدخل يا ضبع.. الباب مفتوح، والموت مستنيك جوة…”
أنتِ حطيتي إيديكي على بؤك عشان تكتمي صرختك، وعيونك مثبتة على أكرة الباب اللي بدأت تتحرك ببطء…صوت تكة الأكرة كان أبطأ وأرعب من أي صوت سمعتيه في حياتك.
أنتِ واقفة ورا الباب، ضاغطة على جسمك بأيدك، أنفاسك المحبوسة في صدرك بتكوّي حنجرتك، ودموعك نازلة بسكون ومن غير صوت من كتر الرعب. الشقة برة كانت ساكتة.. سكون قاتل يخليك تسمعي دبة النملة، لحد ما فجأة…
**”بفففف!”**
صوت طلقة مكتومة اخترقت الخشب بتاع باب الشقة!
وراها في كسر من الثانية، الباب اتخلع من مكانه بهبدة تهز العمارة كلها! صوت زجاج بيتكسر، وخطوات جزم تقيلة بتقتحم الصالة بجهل وغشم. أصوات فحيح ورجالة بتتكلم بصوت واطي ومكتوم: “فتشوا المكان.. الفيشاوي جوة، والبت ورا في الأوض!”
أول ما الاسم طلع من بؤهم، أنتِ حسيتي إن قلبك وقف خالص. لكن كايل… كايل مكنش واقف يتفرج.
من غير أي تحذير، الصالة اتحولت لساحة حرب سينمائية بس في صمت مرعب. سمعتي صوت اشتباك قريب جداً، صوت ضربات سريعة ومتقنة.. صرخات مكتومة لرجالة بتتكسر عظامها، وصوت جسم ثقيل بيتردم على الأرض. كايل مكنش بيستعمل الس/لاح وبس، ده كان بيتحرك حركة الفهد في الضلمة.. يتحرك بثبات، يخلص على واحد ورا التاني بمنتهى الهدوء والاحترافية.
“الفيشاوي هناااا!” واحد منهم صرخ بصوت مبحوح قبل ما الصوت يتقطع فجأة بضربة قاضية خلت دماغه تترزع في الحيطة!
في اللحظة دي، سمعتي صوت قدم قريبة جداً من باب أوضتك. حد واقف برة مباشرة، وبيحط أكرة الباب وبيحاول يلفها بعنف! الباب اتهز جامد: “يا بت.. افتحي الباب بدل ما أطيره بليلة اللي جابوكي!”
أنتِ رجعتي لورا بضهرك لغاية ما لزقتي في الدولاب، ركبتك بتخبط في بعضها وأسنانك بتتكتك من كتر الخوف. مسكتي مفرش السرير وعصرتيه في إيدك: “كاااايل!” صرختي باسمه من غير ما تحسي.
وفجأة…
الصوت برة الباب اختفى.
جه بداله صوت شق شفرة مطواة، ووراها صوت مسكة رقبة وكسرة قاسية تخلي الجسم يقشعر! سمعتي جسم الراجل وهو بيقع على الأرض زي الشكارة الفاضية قدام بابك بالضبط.
بعدها بثانيتين.. السكون رجع للشقة تاني. سكون ألعن وأشد من الأول. ما فيش غير صوت أنفاس تقيلة ومنتظمة واقفة برة الباب.
الهدوء كان مرعب، وأنتِ واقفة مكانك مش قادرة تتحركي خطوة واحدة، لحد ما سمعتي الخبطة الرقيقة.. نفس الخبطة الحنينة بإصبعين على الخشب.
“سمر؟”
الصوت كان هادي.. بس كان فيه نبرة إجهاد خفيفة جداً.
“افتجي يا روحي.. خلاص.”
أيدك كانت بترتعش وأنتِ بتلفي المفتاح. فتحتي الباب بالراحة..
المنظر قدامك كان يقطع النفس.
الصالة كانت عبارة عن دمار شامل، الكراسي مكسورة، والإضاءة خافتة، وثلاث رجالة مغمى عليهم أو متلقحين على الأرض مش بيتحركوا. لكن عينيكي مابصتش على كل ده.. عينيكي راحت مباشرة لكايل.
كايل كان واقف قدام الباب بالضبط.
قميصه الأبيض كان متبهدل، زرارين مفتوحين من فوق، وأكمامه مشمرة لحد كوعه. وشم ذراعه كان باين، وكان فيه خط دم صغير نازل من جنب شفته، وعينيه البنية كانت لسة فيها شرار العراك.. لكن أول ما بص في عينيكي وشف دموعك، كل القسوة دي تلاشت في ثانية.
رمى الطبنجة على الترابيزة القريبة، ومد إيديه الاتنين ليكي من غير ما يتكلم كلمة واحدة.
أنتِ ما فكرتيش.. اترميتي في حضنه بكل قوتك.
لفتي إيديكي حوالين رقبته ودفنتي وشك في صدره وأنتِ بتشهقي بالبكاء: “كايل.. أنا كنت خايفة أوي.. كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني!”
كايل شالك من على الأرض بحركة تلقائية، حضنك بقوة وجسمه الصلب كان بيترعش خفيف وهو بياخد نفسك: “اششش.. خلاص يا سمر.. خلاص يا قلبي. أنا هنا.. محدش يقدر يلمسك طول ما أنا بتنفس.”
قعد بيكي على الجزء الباقي سليم من الكنبة، وسابك محبوسة جوة حضنه وهو بيطبطب على ضهرك بإيده الكبيرة. قعد يبوس رأسك وشعرك بالراحة، ويوشوش لك بكلمات دافية تداوي الرعب اللي عشتيه: “آسف.. آسف إني خليتك تشوفي القرف ده.. آسف يا سمر.”
أنتِ رفعتي وشك المبلول بالدموع، وبصيتي لوشه، مسكتي خديه بإيديكي الترعانين وشفتي جرح شفته: “أنت ينزف يا كايل.. أنت كويس؟ حد أذاك؟”
ابتسم ابتسامة دافية وخفيفة، ورغم الجرح، كانت ابتسامته تبث الأمان في الروح: “شوكة صغيرة مش أكتر.. المهم أنتِ. رعبتيني عليكِ.”
في اللحظة دي، تليفونه رن على الترابيزة.
المرة دي مكنش الضبع.. كان “المعلم غريب”، دراعه اليمين في السبتية.
كايل مد إيده ومسك الفون وهو لسة حاظنك بإيده التانية ومش راضي يسيبك. رد وهو حاطط دقنه على رأسك: “إيه يا غريب؟”
صوت غريب جه من السبيكر وهو بينهج وواضح إنه قلب الدنيا برة: “يا معلم! رجالتا تحت العمارة مسكوا ‘الضبع’ وهو بيحاول يهرب في عربية نص نقل! مكتفينه تحت ومستنيين أواامرك.. نجيبهولك ولا نخلص عليه في السبتية؟”
أنتِ حبستي أنفاسك تاني وبصيتي لكايل..
كايل سكت ثانية كاملة. عينيه راحت لوشك الخايف، ولمسح دموعك بصباعه، وبعدها قال بصوت حاسم وقوي كأنه قرار جبل:
“لا يا غريب.. ما تقت/لوش.”
غريب اتفاجأ برة: “نعم يا معلم؟ ده كان عايز يوصل للسيدة سمر ويضغط عليك بيها!”
كايل بص في عينيكي بنظرة دافية أوي، وقال بثقة ترعب: “سيبوه عايش.. هاتوه لي السبتية ومربوط في المخزن القديم. أنا نازل له بنفسي.. عشان أعلمه الدرس اللي نسيه من زمان: إن اللي يفكر بس يربك نومة البنت دي أو ينزل دمعة من عينها.. الموت بالنسبة له هيكون أرحم أمنية ممكن يطلبها.”
قفل السكة، وبص لك وهو بيبتسم بالراحة، وشالك تاني بين إيديه كأنك أثمن حاجة يملكها في الكون.
“يلا يا سمر.. المكان هنا مش أمان الليلة.”
“هنروح فين؟” سألتي بصوت هادي ومستسلم تماماً له.
قرب من أذنك ووشوش لك بنبرة تخلي قلبك يدق مش من الخوف.. لكن من حاجة تانية خالص:
“راجعين بيتي في الزمالك.. بيتي اللي محدش في الدنيا يعرف طريقه غيري أنا وأنتِ. وهناك.. هتقعدي ترتاحي، وتكملي مشروعك، وأنا هقعد تحت رجلك أحرسك لحد ما تنامي.”
مسك إيدك وشابك صوابعه في صوابعك بجمدان، ومشي بيكي وسط الضلمة والمكان المتبهدل.. وأنتِ ماشية جنبه، حسيتي إن مهما كانت الحرب شعلة برة، ومهما كان العالم ده قاسي ومرعب.. إيدك في إيد كايل الفيشاوي هي المكان الوحيد اللي في الدنيا اللي هتفضلي فيه أميرة.. ومحمية بحياة راجل مستعد يحرق العالم عشان خاطر ضحكة منك.نزلتوا السلم وإيدك متكلبشة في إيده كأنها حبل النجاة الوحيد لكِ في الدنيا. الشارع تحت العمارة كان مقلوب؛ عربيات دفع رباعي سوداء بقزاز فاميه قافلة الدخلة والطلعة، ورجالة بطول وعرض لابسين بدال سوداء واقفين مرصوفين زي الحيطة الصلبة، أول ما شافوا كايل نازل وبيسنِدك، كلهم نزلوا رُؤوسهم في الأرض في حركة احترام وهيبة واحدة، وحراسه فتحوا باب العربية المصفحة اللي كانت دايرة ومستنية.
ركبتي، وكايل قعد جنبك وشدك لحضنه فوراً، كأنه بيطمن نفسه قبل ما يطمنك إنك بخير وسليمة. العربية تحركت بسبات وسرعة في شوارع القاهرة الساكتة، وفي وسط الطريق لفيّتي وشك وبصيتي له من تحت لفوق.. قميصه اللي عليه آثار دم، وشه المتجهم اللي بيراقب الطريق، والمس/دس اللي محطوط في جرابه.. ورغم كل ده، أول ما حس بإنك بتبصي له، نظرته القاسية اتكسرت في ثانية، ومد إيده يمسح على شعرك بالراحة: “أنا آسف يا سمر.. آسف إنك عشتي اللحظات دي بسبب عالمي.”
هزيتي رأسك بنفي ودفنتي وشك في صدره: “أنا مكنتش خايفة من العالم ده يا كايل.. أنا كنت خايفة عليك أنت.”
تنهيدته كانت دافية، وباس رأسك بوسة طويلة سكتت كل الخوف اللي جواكي.
وصلتوا فيلا الزمالك.. مكان هادي جداً، معزول في وسط جنينة كبيرة، بعيد تماماً عن دوشة السبتية وعنف الس/لاح. أول ما دخلتوا، كايل قفل الأبواب الكبيرة، وأخدك على الأوضة الرئيسية فوق. جاب لك غيار مريح، وسابك تستحمي وتغيري هدومك، ولما طلعتي لقييته مجهز لك السرير، وحاطط اللاب توب بتاعك على المكتب، ومحضر لك كباية لبن دافي بالفرولة زي ما بتحبي.
قعدتي على السرير وأنتِ بتشربي، وهو كان واقف قدام المراية بيمسح الجرح الصغير اللي عند شفته بقطنة ومطهر. قمتي من مكانك ببطء، أخدتي القطنة من إيده، ونزلتي إيده بالراحة، وبدأتي تطهري له الجرح بإيدك وأنتِ بتبصي في عينيه.
“ساعات بحس إني بحلم يا كايل..” وشوشتي وأنتِ بتمسحي الجرح بالراحة. “الناس كلها شايفاك المعلم الفيشاوي اللي بيهد جبال.. وأنا بس اللي شايفاك الراجل اللي بيهتم حتى بكباية اللبن بتاعتي.”
كايل مسك إيدك اللي بتمسح جرحه، وحط كفك على موضع قلبه بالضبط.. ضربات قلبه كانت سريعة وقوية، وقال بنبرة مليانة صدق يزلزل:
“الفيشاوي ده برة الباب ده يا سمر.. بيختفي أول ما بشوف عيونك. القلب ده مابينبضش عشان الهيبة ولا الفلوس ولا الس/لاح.. القلب ده عايش عشان يحميكي أنتِ بس. لو العالم كله وقف ضدك، أنا هقف ضد العالم.. ولو يوم تعبتي أو ضعفتي، فضل ضهري هو سَنَدِك.”
الدموع لمعت في عينيكي بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان. سحبتي إيدك بالراحة وأخدتيه من إيده لغاية السرير. قعدتوا سوا، وحطيتي رأسك على صدره، وهو لف دراعه حواليكي وغطاكي بالبطانية.
صوت أنفاسه المنتظمة مع دقات قلبه كانت أحسن سيمفونية تنام على ألحانها. حسيتي بجسمك كله بيرتاح، وتعب الكلية، وقرف الدكتور، ورعب الضبع.. كل ده اتدخر وتبخر، ومابفضلش غير الهدوء والدفا اللي في أحضانه.
كايل مال على أذنك ووشوش لك بابتسامة خفيفة قبل ما تنامي: “وعلى فكرة.. بكرة الصبح، أكبر استشاري هندسة في مصر هيكون قاعد معاكي هنا في الجنينة يراجع المشروع خطوة بخطوة.. والدكتور بتاعك ده، هيستلم منك مشروع يخليه يقف يصفق لك قدام دفعتك كلها.. اتفقنا؟”
ابتسمتي وأنتِ بتغمضي عيونك، ومسكتي في قميصه أكتر: “اتفقنا يا كايل.. اتفقنا.”
وفي ليلة قاهرة هادية، وسط السكون والأمان.. نامت سمر في حضن أعتى وأشرس راجل في البلد، الراجل اللي بيخاف منه كل الناس.. بس هو مابيخافش في الدنيا دي غير على دموعها هي وبس.




