ممر الخروج

رجليكي شلتك تماماً، والأنفاس اتخطفت من صدرك لما صوت الخطوات التقيلة من وراكي قطع السكون الرهيب. الحارة الضيقة بقت زي المصيدة، جدرانها العالية المبتلة من نديم الليل قفلت عليكِ كأنها تابوت. التفتِ بلطف شديد، وعينكي زادت اتساعاً من الخوف لما شفتِ راجل تاني طالع من الضلمة، جسمه ضخم كأنه سد منيع، لابس نفس البدلة السودا ومغطي نصف وشه بأسود، وإيده محطوطة في جيبه ببرود يخوف. بقيتي في النص.. قدامك الشاب صاحب العيون الكحيلة الباردة وبدلته المتلطخة بدم لسة سخن، ووراكي المارد الضخم اللي قفل طريق الرجعة الوحيد.
الموبايل في إيدك بقى مجرد حتة حديدة ملهاش لازمة، الشاشة سودة والشبكة ميتة، وشنطتك اللي ماسكاها بإيدك المترعشة مش هتحميكي من مصير مجهول. في لحظات زي دي، عقلك بيشتغل بسرعة الصاروخ، صورة يوسف أبو خمستاشر سنة وسيف الصغير صاحب الخمس سنين عدت قدام عينكي زي الشريط. يوسف اللي مستنيكي عشان تحكيله عن يومك، وسيف اللي سيبتيه نايم وواخد لعبته في حضنه. مين هيراعاهم لو جرى لك حاجة؟ مين هيصحيهم الصبح للمدرسة؟ الفكرة دي بالذات طيرت أي ذرة خوف سلبي وحولت رعبك لغريزة بقاء عمياء.
“إيه يا باشا؟ هنطول؟” الصوت جه من الراجل الضخم اللي وراكي، صوته كان جاف ونشف كأنه صوت حديد بيتحك في بعضه. “الواد اللي في الأرض ده نَفَسُه قطع، والمنطقة دي مش أمان، البوليس ومخبرين الناحية بيلفوا قريب من هنا.”
الراجل اللي قدامك ابتسم ابتسامة باهتة ومستفزة، وقرب منك خطوة كمان. ريحة الدم المخلطة بريحة برفيوم غالي وقوي فوراً سدت مناخيرك. رفع إيده اللي فيها جوينتي جلد أسود، وبأطراف صوابعه لمس طرف دقنك بلطف مرعب، جسمك اتفض وبدأتِ تتنفسي بسرعة كأنك بتجري ماراثون.
“سمعتي يا قطة؟” قالها وهو بيوطي رأسه لمستواكي، عيونه كانت غريقة ومش باين فيها أي رحمة، “صاحبي مستعجل.. وأنا بصراحة مابحبش أعمل كراكيب ورايا. بس شكلك بنت ناس، وراكي بيت وعيال ولا إيه؟ الخاتم اللي في إيدك الشمال ده بيقول إنك أم، بس من غير دبلة.. يعني بتعافري لوحدك في الدنيا.”
الكلمات نزلت عليكِ زي المية الساقعة. الراجل ده بيلعب بأعصابك، بيقرا تفاصيلك في ثواني بذكاء يخوف. بلعتِ ريقك بالعافية، وحاولتي تجمعي شتات نفسك عشان صوتك يخرج متماسك، رغم إن فكك كله كان بيترعش.
“أنا… أنا ماشفتش حاجة،” صوتك خرج مهزوز ومخنوق، بس حاد، “أنا مجرد واحدة راجعة لبيتها وعيالها. والله ما لمحنا وشك، ولا أعرف مين ده ولا ليكم دعوة بإيه. سيبوني أمشي ومش هفتح بؤي بحرف.. عيالي ملهمش غيري في الدنيا دي.”
الراجل الضخم اللي وراكي ضحك ضحكة مكتومة وسخرية: “كلهم بيقولوا كده يا أستاذة.. أول ما تخرجي من الحارة هتروحي على أقرب قسم تعملي بلاغ، وتجيبي رجلينا في الملاية.”
“أنا مش زي حد!” صرختِ بصوت مكتوم ونبرة رجاء متغطية بغضب دفين، “عندي عيل خمس سنين مستنيني! لو جرالي حاجة هيموتوا من الجوع والضيعان! اعتبروني ماعديتش من هنا!”
صاحب البدلة السودا سكت لحظة. نظرة عيونه اتغيرت بلمحة خاطفة، كأن كلمة “عيل خمس سنين” لمست جوة دماغه وتر حساس أو خلت حساباته تتلخبط لثانية، بس ملامحه رجعت باردة بسرعة. نزل إيده من على دقنك ووقف بطوله الكامل، وبص لصاحبه الضخم وقال بنبرة آمرة حاسمة:
“اربطها ويا سليم.. ودخلها العريشة جوة، مش هنخلص منها هنا في الشارع.”
“إيه؟” سليم الضخم استغرب، “هنوجع دماغنا ليه يا رئيس؟ غرزة واحدة بالمطوة ونخلص، والشارع يشيلها!”
“قلت اربطها ودخلها جوة!” الزعيم صرخ بصوت واطي بس يرعب، خلى سليم يتراجع فوراً ويقول: “أمرك يا أستاذ فريد.”
قبل ما تفتحي بؤك عشان تصرخي، سليم اتقدم وسد بؤك بإيده الضخمة اللي ريحتها جلود وعرق، ومسك دراعك وعصره ورا ظهرك بتكتيك محترف. حاولتي تعفري، تضربي برجلك في الأرض، تدوسي على جزمته، بس قوته كانت غاشمة. زقك لجوة دخلة أضيق في الحارة، كانت عبارة عن مخزن قديم ومتروك لبقايا خشب وصاج، باب مكسور ومتغطي بحصيرة قش قديمة.
رموكي جوة على الأرض، التراب طار في وشك وخلاكي تكحي بحرقة. فريد دخل وراكم، وولع كشاف صغير كان معاه، الضوء المسلط أظهر كراكيب المخزن والخيوط العنكبيات الممتدة في الأركان. سليم مسك حبل كتان تخين كان مرمي في الأرض، وبدأ يربط إيديكي ورا ظهرك بقوة قطعت الدم في عروقك، وبعدين ربط رجليكي وركبك في بعضهم.
“استني هنا يا شاطرة،” سليم قالها وهو بيلف حتة قماشة زفرة حوالين بؤك عشان يكممك تماماً. الدموع نزلت من عينيكي حامية وشطفت التراب اللي على خدودك. المقاومة بقت مستحيلة، وجسمك كله بقى مربوط ومربد على الأرض الباردة.
فريد قعد على صندوق خشب قديم قدامك، ولع سيجارة ببرود، وشعلة الولاعة منورتش غير جزء من وشه الزوايا بتاعته حدة زي الس\كينة. قعد يبص لك وهوا بياخد نفس طويل، والدخان بيطلع من مناخيره وبؤه بهدوء قاتل.
“اسمك إيه؟” فريد سأل.
طبعاً ماعرفتيش تردي بسبب الكمامة، بس عينيكي كانت بتتكلم بكل لغات الخوف والتوسل والغضب.
فريد مشي إيده في شعره الناعم الأسود، وقال لسليم وهو مش باصص له: “سليم.. روح نضف الشارع برة، شيل الج\ثة اللي مرمية في الحارة وشيل أي أثر دم. العربيات المصفحة زمانها على وش وصول، مش عايز نقطة واحدة تنبه المباحث لما يعدوا.”
“طب والست دي يا فريد بيه؟” سليم سأل وهو بيبص لك بنظرة شر.
“سيبها معايا.. لما تخلص المصلحة وتأمن الشارع هقولك هنعمل إيه.”
سليم هز رأسه وخرج، وساب الحصيرة تقع تاني وتقفل الباب. الهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء أتقل من الجبل. فريد قرب منك، وطى وركبته لمست الأرض، ومد إيده فك القماشة من على بؤك بالراحة.
أول ما الفك تحرر، أخدتي نفس عميق وسريع كأنك كنتي بتغرقي، وبدأتي تتنفسي بصوت عالٍ.
“أرجوك…” ناطقتِ والدموع نازلة مش قادرة تمسكيها، “أرجوك يا فريد بيه.. والله العظيم ما هقول حاجة. اعتبرني أختك، اعتبرني واحدة مالهاش في الدنيا. عيالي غلابة.. يوسف وسيف ملهمش حد غيري. أبوهما متوفي من سنين وأنا اللي شايلة شيلتهم.. لو جرالي حاجة هيموتوا من بعدي!”
فريد بصلك بتركيز شديد لما سمع أسماء عيالك. حدقة عينه اتسعت حاجة بسيطة، ونبرة صوته الهادية الميتة اتغيرت سنة: “يوسف وسيف؟”
“أيوه والله!” هزيتي رأسك بسرعة، “يوسف عنده خمستاشر سنة، والواد الصغير سيف عنده خمس سنين بس! والله العظيم سيبته نايم ومستنيني أرجع أعمله الفطار الصبح. أرجوك وحياة أغلى حاجة عندك.. سيبني أرجع لهم.”
فريد قام وقف، ومشي ببطء في المخزن الضيق، يروح وييجي وصوت جزمته الجلد بيعمل صدى صوت يخرم الأذن. طلع من جيبه الموبايل بتاعه، كان شاشته منورة وفيها شبكة كاملة، وبص في الساعة. كانت الساعة داخلة على أربعة الفجر.
“الزمان ده مابيرحمش يا…” فريد سأل وهو مدي بظهره: “اسمك إيه؟”
“سما.. اسمي سما،” ردتي بسرعة وأمل ضئيل بدأ يتسلل لقلبك المرتعد.
فريد التفت لك، وبصلك بنظرة غموض مش قادرة تفهميها، هل هي شفقة؟ ولا ده الهدوء اللي بيسبق العاصفة؟ قرب منك تاني وبص في عينكي مباشر:
“يا سما.. أنتِ وقعتي في وش ناس ماب ترحمش. الناس اللي أنا شغال معاهم لو عرفوا إنك شفتي وشي وشفتي الج\ثة اللي برة، مش هيسيبوكي، ولا هيسيبوا يوسف.. ولا هيسيبوا سيف.”
كلماته الأخيرة نزلت عليكي زي الصاعقة. الرعب الشديد اتملك منك تاني، وجسمك اتجمد: “هم.. هما يعرفوا عيالي؟!”
“لأ.. لسة مايعرفوش،” فريد قالها بحدة، “بس لو سليم خرج من هنا وعارف إنك عايشة، هيبلغ الكبار، والكبار مش بياخدوا مخاطرة. هيمسحوا العيلة كلها من الوجود عشان يضمنوا السكوت.”
“طب والحل إيه؟!” صرختِ بصوت مكتوم والدموع مغرقة وشك، “أبوس إيدك قولي الحل إيه! أهرب؟ أسافر بالعيال؟ أعمل أي حاجة أنت عايزها بس ابعدهم عن الموضـوع ده!”
فريد سكت شوية، وسحب نفس أخير من السيجارة ورمى العقب في الأرض وداس عليه بجزمته. وطي عليكي، وبصوت واطي جداً زي الخشخشة، قال في ودنك:
“الحل الوحيد عشان أفرط في حياتك وحياة عيالك… إنك تتنفذي اللي هقولك عليه بالحرف الواحد من غير ما تفتحي بؤك بربع كلمة.. حتى لسليم.”
“موافقة! موافقة على أي حاجة!” ردتي بلهفة ومن غير ما تفكري.
في اللحظة دي، الحصيرة اللي على الباب اترقعت بسرعة، وسليم دخل وهو منهج، ووشه أصفر ومشدود: “فريد بيه! الحق! البوليس نزل أخر الحارة ببوكسين ودورية مباحث! بيفتشوا المحلات المفتوحة وجايين ناحيتنا هنا!”
فريد قام بلمحة عين، ملامحه هديت بسرعة غريبة وبقت حادة زي الصلب. بص لسليم وقال ببرود: “الج\ثة فين؟”
“حطيتها في شنطة العربية وركنت في الشارع الجانبي، بس هما بيمشوا يفتشوا الزواريب الضيقة بلكشافات!”
فريد بص لك، وبعدين بص لسليم، وقال بنبرة خالية من أي تردد: “سليم.. أخرج أنت من الباب الخلفي للورشة، خد العربية واطلع على المزرعة في طريق السخنة، أنا هحصلك.”
“والست دي؟” سليم شاور عليكِ وبدأ يرفع إيده على مطوة في جيبه، “أخلص عليها وأرميها تحت الخشب هنا قبل ما يدخلوا؟”
فريد وقفه بإيده بصرامة وسلطة مطلقين: “قلتلك أخرج دلوقتي يا سليم! أنا هتعامل معاها وأمسح أثرنا هنا، مش عايز كراكيب ولا جثث تتساب في المكان البوليس داخل عليه! يلا!”
سليم تردد لثانية، يبص لفريد ويبص لك، بس هيبة فريد وقوته خلت سليم يهز رأسه ويتراجع: “تمام يا باشا.. مستنيك في المزرعة.”
سليم اختفى في الضلمة ورا الورشة، والهدوء رجع للمكان لمكان، بس المرة دي صدى أسطول عربيات البوليس وصوت السارينات بدأ يظهر بوضوح من بعيد، والأضواء الملونة (أحمر وأزرق) بدأت تعكس على جدران الحارة من برة.
فريد طلع س\كينة صغيرة ورفيعة جداً من جيبه، وقرب منك بسرعة. افتكرتيه هيقتلك، غمضتي عينكي وعصرتي جسمك ومستنية الطعنة، بس حسيتي بالس\كينة بتقطع الحبال اللي مربطة إيديكي ورجليكي بمهارة وسرعة فائقة.
“قومي!” فريد زقك بالراحة وهو بيمسك دراعك، “قومي بسرعة وماتطلعيش صوت!”
قمتِ بالعافية، رجليكي كانت نملت ومش شايلكي، بس الخوف كان بيزقك. فريد شدك من إيدك وورا الورشة في ممر ضيق جداً بين جدارين، ممر يدوب يكفي شخص واحد بالعرض.
“اسمعيني كويس يا سما،” فريد قال وهو ضاغط على كتفك وبيطل من الفتحة على البوليس اللي بدأ يدخل الحارة بالكشافات، “البوليس برة.. لو خرجتي لهم وقلتِ على اللي شفتيه، أنا وسليم والمنظمة اللي ورانا مش هنسيبك. هتعيشي طول عمرك خايفة على يوسف وسيف، ومش هتعرفي تحميهم من حيتان بياكلوا الأخضر واليابس.”
“طب… طب وأنت هتعمل إيه؟” سألتي وأنتِ بتنهجي وخايفة.
فريد بص لك بنظرة عميقة، عينيه الكحيلة ماكانتش باردة المرة دي، كان فيها سر غريب ومش مفهوم.
“أنا هشتريلك حياتك وحياة عيالك الليلة دي،” فريد قالها ونبرته كانت جادة ومؤثرة، “هسيبك تخرجي من الممر ده على الشارع العمومي.. تجري على بيتك، تاخدي عيالك، وتختفي من الشقة دي قبل ما الشمس تطلع.”
“أختفي؟ أروح فين؟!”
“أي حتة!” فريد صرخ بصوت مكتوم وهو بيمسك وشك بين إيديه المحنيين بدم الراجل المقتول، “سفري عيالك عند أي حد من قرايبك في الصعيد، في أرياف، في أي مصيف.. المهم ما تقعدوش في شقتكم أكتر من ساعتين من دلوقتي. سليم مش غبي، بكرة هيسألني عملت إيه فيكي، ولو شك إنك عايشة هيتدور عليكِ في عنوانك اللي هيدعبسوا ويجيبوه بسهولة!”
صوت أقدام أفراد الشرطة بقى على بعد خطوات من باب المخزن القديم. الكشافات القوية بدأت تنور جوة الورشة من خلال الفتحات.
فريد زقك بالراحة ناحية نهاية الممر الضيق اللي بيطلع على شارع جانبي منور وهادي: “اجري يا سما.. اجري وما تبصيش وراكي أبداً. وانسى إينك شفتيني في يوم من الأيام.”
“شكراً…” الكلمة خرجت من قلبك بصوت مكتوم، وبدون ما تفكري تاني، لفيتي ودموعك نازلة، وبدأتي تجري بكل ما فيكي من قوة.
جزمتك كانت بتخبط في الأرض الزلط، وقلبك كان بيموت ويحيا مع كل خطوة. خرجتي من الممر الضيق للشارع العمومي. النور الصاطع من فوانيس الشارع ضرب في عينكي، العربيات رايحة جاية بالراحة، والدنيا برة كانت طبيعية وساكنة كأن الموت ما كانش على بعد أمتار من هنا.
ما وقفتيش، ما استنيتيش تاخدي نفسك. جرتي في شوارع المنطقة زي المجنونة، الشنطة في إيدك بتهتز، وجسمك كله عرق ورعب. كل اللي كان في دماغك هو وش سيف وهو نايم، وش يوسف وهو مستنيكي.
وصلتي العمارة بعد ربع ساعة جاري متواصل، صدريك كان بيتحرق ورجليكي مش قادرة تشيلك. طلعتِ السلم جاري، تلت درجات في الخطوة، لحد ما وصلتي لباب الشقة في الدور التالت. طلعاي المفاتيح بإيد بتترعش بطريقة مجنونة، المفتاح وقع منك على الأرض مرتين، رفعتيه ودخلتيه في القفل وأخيراً فتحتي الباب ودخلتي وجريتي قفلتي الباب بالترباس والمفتاح من جوة.
استندتي على الباب ووقعتِ على الأرض وأنتِ بتنهجي بصوت عالٍ وبتبكي بحرقة.
“ماما؟”
صوت هادي جه من أخر الصالة. كان يوسف، طالع من أوضته بفرشة السنان في إيده وشعره منكوش، بصلك باستغراب ورعب لما شاف منظرك، هدومك مقطعة، التراب مغطيكي، ووشك متبهدل دموع.
“ماما! في إيه؟ مالك يا ماما؟ إيه اللي جرى؟!” يوسف جرى عليكي ووطى مسك إيدك.
“يوسف…” صوتك كان مقطوع ومش قادرة تتنفسي، “صحّي سيف… صحّي أخوك فوراً يا يوسف!”
“أسفيه إيه يا ماما في الفجر كده؟! مالك في إيه شفتي إيه برة؟!” يوسف بدأ يخاف بجد، وصوته اترعش.
“مافيش وقت للشرح يا يوسف!” صرختِ فيه وأنتِ بتمسكي في قميصه وبتقومي بالعافية، “صحي أخوك وهات شنط الهدوم الكبيرة من فوق الدولاب! لازم نمشي من هنا حالاً! الشقة دي مش أمان، ولازم نغادر المنطقة دي قبل ما النهار يطلع!”
يوسف اتسمر مكانه وهو مش فاهم حاجة، بس النظرة اللي كانت في عينكي—نظرة الأم اللي بتموت عشان تحمي عيالها—خلته يلف بسرعة ويدخل أوضة أخوه سيف.
دخلتي حمام الشقة بسرعة، غسلتي وشك بالمية الساقعة عشان تفوقي، مسحتي التراب والدموع، وبصيتي في المراية. وشك كان أبيض زي الملاية، بس عينيكي كان فيها إصرار رهيب. خرجتي جاري على الأوض، وبدأتي ترمي الهدوم في الشنط بطريقة عشوائية، هدوم سيف، هدوم يوسف، الأوراق المهمة، شهادات الميلاد، والفلوس اللي شايلاها للزمن تحت المرتبة.
سيف الصغير قعد على السرير وهو بيفرك في عينيه، مش فاهم حاجة وبيعيط بصوت واطي: “ماما.. إحنا رايحين فين؟ الساعة كام؟ أنا عايز أنام…”
ضميتيه لصدرك وبوستي رأسه بقوة: “حبيبي يا سيف.. معلش يا روح قلب ماما، طالعين رحلة صغيرة ونلعب سوا، يلا قوم البس كوتشيك بسرعة عشان نلحق القطر.”
بعد نص ساعة بالضبط، كانت الشنط جاهزة ومقفولة. يوسف كان شايل شنطة تقيلة على ظهره ومسك إيد سيف، وأنتِ شايلة الشنطة الكبيرة ومسكة إيد سيف التانية. وقفتِ عند باب الشقة لثانية واحدة، بصيتي على بيتك اللي عشتِ فيه سنين، المكان اللي فيه كل خاطرة وذكرى، بس عارفة إن بقاءكم فيه معناه الموت.
طفي النور، خرجتم، وقفلتي الباب بالمفتاح للمرة الأخيرة.
نزلتوا السلم في الصمت الرهيب بتاع الفجر. خرجتم لباب العمارة، الشارع كان فاضي ونسمة هواء باردة ضربت في وشكم. مشيتوا بسرعة ناحية الشارع العمومي عشان تتصلوا بأي تاكسي يوديكم المحطة.
وأنتِ ماشية وبتمسحي دموعك، عينك جت بالمصادفة على الشارع الجانبي اللي على بعد دورين من عمارتكم.
تحت ضوء عمود النور البعيد، كانت واقفة عربية سوداء فخمة جداً، زجاجها فاميه غامق ومفيش فيها أي نمرة. العربية كانت مركونة في الضلمة ومطافية الأنوار.
وفجأة… النور العالي بتاع العربية أولع لثانية واحدة وأطفى تاني!
قلبك اتخطف ووقفتِ في مكانك. من خلال الإضاءة الخاطفة دي، شفتِ من ورا زجاج العربية الشباك النازل حاجة بسيطة.. شفتِ يد لابسة جوينتي جلد أسود، ماسكة سيجارة مشتعلة، والدخان بيطلع منها ببطء.
وعينين كحيلة، عميقة وخالية من أي تعبير، كانت بتبص عليكي وعلى عيالك بتركيز شديد من جوة العربية.
هو.. فريد!
فريد ما مشيش.. فريد كان واقف تحت عمارة بيتك، مستني يشوف هل هتنفيذي كلامه وتهربي بعيالك، ولا بلغتِ البوليس ورجعتِ تقعدي في الشقة!
فريد رفع إيده بالسيجارة وعمل حركة بسيطة براسه كأنه بيبعتلك إشارة أخيرة: “امشي فوراً.. الوقت بيخلص.”
يوسف شد إيدك بقوة وقال وهو خايف: “ماما؟ بتبصي على إيه؟ التاكسي جه أهو!”
تاكسي أبيض قديم وقف على الرصيف وسواقه ضرب كلكس. التفتِ بسرعة، وزقيتي يوسف وسيف جوة التاكسي، وركبتِ وراهم وقفلتي الباب بقوة.
“على فين يا هانم في الفجر كده؟” السواق سأل وهو بيبص لكم في المراية باستغراب من الشنط والرعب اللي على وشوشكم.
“محطة مصر… بسرعة وحياة والدك،” ردتي بصوت مخنوق ومقطوع.
التاكسي طلع وأسرع في الشارع الفاضي. بصيتي من الشباك الوراني بتاع التاكسي.. العربية السودا المصفحة بدأت تتحرك ببطء شديد ورا التاكسي من بعيد، كأنها بتأمن طريقكم وتضمن إنكم هتوصلوا المحطة بسلام، أو ربما… بتراقبكم عشان تتأكد إن سر الموت اللي شفتيه بالليل هيفضل مدفون معاكم في المكان الجديد اللي رايحين له.
التاكسي مشي في شوارع القليوبية، وعينكي مش قادرة تتشال من على المراية.. وماكنتيش عارفة، هل فريد ده كان الملاك الحارس اللي أنقذك أنتِ وعيالك من الموت؟ ولا ده الكابوس اللي هيفضل يطاردك في كل مكان تهربي ليه؟
وفجأة.. الموبايل الميت في شنطتك أهتز!!
نور الشاشة أضاء جوة الشنطة الضلمة.. رغم إن الموبايل كان فاصل شحن ومفيش فيه شبكة أساساً من أربع ساعات!
مديتِ إيدك ببطء شديد ورعب بيأكل بجسمك، وطلعتي الموبايل. كانت جايالك رسالة نصية قصيرة من رقم مجهول ومفيش فيه أي بيانات:
“سليم عرف عنوانك القديم وتوجه للشقة دلوقتي.. كملي طريقك وما تقفيش في أي محطة.. الرحلة يلا بدأت يا سما.”صوابعك اتجمدت على شاشة الموبايل، وعينكي اتسعت من الصدمة وأنتِ بتقري الرسالة للمرة العاشرة. الموبايل اللي كان فاصل شحن تماماً، شغال ومفيش فيه غير الشاشة المنورة بالرسالة دي من رقم مجهول. كأنها تحذير من القبر، أو طوق نجاة أخير اترد ليكي في اللحظة الحاسمة.
التاكسي كان بياكل الطريق بسرعة، وصوت الموتور القديم بيعدي الشوارع الهادية بتاعة القليوبية ويدخل على حدود القاهرة. بصيتي من الشباك الوراني تاني، العربية السودا الفخمة ما بقتش باينة، اختفت في الضلمة زي ما ظهرت فجأة، بس حسها كان لسة متسلط على رقبتك زي الس\كينة.
“ماما… هو إحنا رايحين فين بالظبط؟”
صوت يوسف قطع السكون جوة التاكسي. كان قاعد جنبك، وشده الخوف والارتباك، ماسك إيد أخوه الصغير سيف اللي كان رأسه تقل على كتفه ونام من كتر التعب والأعصاب المهدودة. يوسف مش طفل، عنده خمستاشر سنة، وذكي كفاية عشان يفهم إن أمه مش بتلعب، وإن الهروب ده وراه مصيبة سودا.
بلعتِ ريقك بالعافية، وحطيتي الموبايل جوة الشنطة من غير ما يلاحظ، وحاولتي تظبطي نبرة صوتك على قد ما تقدري عشان ما ترعبيهوش أكتر:
“رايحين الصعيد يا يوسف.. عند بيت جدتك في سوهاج.”
يوسف بصلك باستغراب شديد: “سوهاج؟! إحنا ما روحناش هناك من يوم وفاة بابا من خمس سنين! وبعدين مدرستي ومذاكرتي وسيف ومدرسته؟ ماما أنتِ خبيتي عليا إيه؟ إيه اللي حصل في الشارع بالليل وأنتِ راجعة؟”
مسكتِ إيد يوسف وضغطتي عليها بقوة، وعينكي الدموع جمعت فيها تاني بس ح بستيها بصعوبة: “يوسف.. اسمعني كويس وما تسألنيش في أي تفاصيل دلوقتي. اللي حصل بالليل حاجة أكبر مني ومنك، ناس أشرار جداً كانوا هيأذونا كلنا. الراجل اللي بعتلي الرسالة دي هو الوحيد اللي أنقذ حياتي الليلة دي، ولو ما اختفيناش دلوقتي من وش الأرض، مش هنشوف بكرة.”
يوسف سكت، عينيه كانت بتتنقل بين وشك المجهد والمبهدل بالتراب وبين الشنط اللي تحت رجليكم. التهم الشك، بس شاف في عينكي حقيقة واحدة بس.. إنكم في خطر حقيقي. هز رأسه ببطء وقال بصوت واطي ومكتوم: “أنا معاكي يا ماما.. متخافيش، أنا كبرت وهشيل معاكي.”
الكلمة نزلت على قلبك كأنها مرهم بيداو جروحك. بوستي رأسه، والتفتِ للسواق اللي بدأ يدي أشارته عشان يدخل على ميدان رمسيس.
“المحطة قدامنا أهي يا هانم،” السواق قال وهو بيبص لكم في المراية بشك، “أنزلكم عند قطار الصعيد؟”
“أيوه يا أسطى.. بسرعة الله يخليك.”
التاكسي وقف قدام محطة مصر. الميدان في وقت الفجرية كان فيه حركة خفيفة، باعة جرايد بيفرشوا، وناس شايلة شنط ومسافرة، وأبواب المحطة الضخمة المفتوحة كأنها حوت بيبلع العابرين. دفعتِ للسواق أجرته وأخدتم الشنط بسرعة وجريتم على جوة.
شريط الرسالة كان بيلف في دماغك زي الساقية: *”سليم عرف عنوانك القديم وتوجه للشقة دلوقتي..”*
تخيلتي سليم الضخم ببنيته المجهزة للموت وهو بيطلع سلم العمارة بتاعة شقتكم، بيكسر الباب بالمطوة أو العتلة، ويدخل يدور في الأوض.. يقلب السراير، يفتح الدواليب، ويخرج وهو بيغل عشان ملهاش أثر. ولو كان وصل قبل ما تخرجي بكام دقيقة بس… كان زمانك أنتِ ويوسف وسيف جثث هامدة متغطية بدمها جوة الأوضة.
عرق بارد نزل على ظهرك، وشديتي إيد سيف أكتر وأنتِ بتمشي في صالة التذاكر.
“التذاكر يا أنسة؟” شباك التذاكر كان فاضي تقريباً.
“عايزة ثلاث تذاكر مكيف لقطار سوهاج.. أول قطار قيام دلوقتي!” صرختِ تقريباً في الموظف.
الموظف بصلك ببرود وهو بيمسح عينيه من النوم: “القطار المباشر المكيف هيطلع كمان عشر دقايق من رصيف ٨، بس مفيش غير عربية واحدة أسباني وفيها أماكن متفرقة.”
“أي حاجة! قطعلي أي أماكن المهم نركب القطار ده دلوقتي!”
طلعتِ الفلوس المجمعة وسحبتِ التذاكر وجريتم على رصيف ٨. القطار كان واقف، أدواره الملونة وصدى صوت الموتور بتاعه بيزلزل الرصيف. ركبتوا بسرعة، يوسف شال الشنط وحطها في الرفوف العالية، وقعدتي سيف على الكرسي وهو لسة مش دريان بالدنيا.
أول ما القطارتحرك وصوت الصفارة ضرب في المحطة، وأجسام القاطرة بدأت تتزحزح على القضبان ببطء، أخدتي أول نفس كامل ومريح من ساعات. سندتي رأسك على زجاج الشباك البارد، وبصيتي على شوارع القاهرة وهي بتبعد وتختفي ورانا في الضلمة اللي بدأت تفتح مع أول خيوط الفجر.
أنتِ هربتي.. العيلة نِجيت. بس لحد إمتى؟
القطار بدأ يسرع، والأرض الزراعية والمباني البعيدةقت بتجري ورا الشباك. النهار طلع بالكامل، والحرارة بدأت تزيد. يوسف وسيف ناموا من كتر التعب، وأنتِ قعدتي صاحية، عينكي مش مفارقة الشباك ولا الموبايل اللي محطوط في حضنك.
الساعة جاب تسعة الصبح.
وفجأة.. الموبايل اهتز تاني!
جسمك اتفض، مسكتِ الموبايل وفتحتيه بصلابة ويد بتترعش. كانت رسالة ثانية من نفس الرقم المجهول:
“سليم وصل شقتك الساعة ٥ الفجر.. لقي الباب مقفول وكسره. دور في كل شبر وما لقاش حد. عرف إنك هربتي وخرج وهو بيتجنن. بلغ الكبار إنك هربتي بالعيال.”
قلبك وقف. الكبار عرفوا!
الرسالة كملت وكأن اللي بيكتبها كان مع الكبار في نفس الأوضة وبيسمع قرارتهم:
“الكبار أمروا بتتبع حركتك. حطوا مراقبين في مواقف الأقاليم ومحطات القطار الرئيسية. سوهاج مش أمان ليكي يا سما.. بيت جدك أول حتة يدوروا فيها لو سألو عن أصلك وفيش في السجلات. انزلي في أول محطة جاية وما تكمليش لآخر الخط.”
صرختِ بصوت مكتوم. الموظف في شباك التذاكر حجزلك لسوهاج، ولو سليم أو الكبار عندهم معارف في الهيئة أو المباحث، هيعرفوا إنك واخدة تذاكر لسوهاج!
بصيتي من الشباك بسرعة.. القطار كان بيهدي قوته وبدأ يدخل على محطة كبيرة. بصيتي على اليافطة المكتوبة على الرصيف: **”محطة بني سويف”**.
“يوسف! صحي سيف بسرعة!” قمتِ مفزوعة وأنتِ بتشدي الشنط من فوق.
يوسف قام مخدوض: “في إيه يا ماما؟ إحنا وصلنا سوهاج؟”
“لأ! هننزل هنا! يلا بسرعة القطار بيقف لدقيقة واحدة!”
سحبتِ سيف وهو بيبكي مش فاهم حاجة، ويوسف شال الشنط الثقيلة وشديتم بعضكم وخرجتم جاري من باب العربية، ونزلتم على رصيف محطة بني سويف في أخر لحظة قبل ما أبواب القطار تقفل والقطار يتحرك تاني وسيبكم وراه.
وقفتوا على الرصيف، الشغف والزحمة بتاعة بني سويف كانت مالية المكان. أخدتي نفس عميق، وأنتِ حاسة إنك بتلعبي شطرنج مع عزرائيل.. وكل خطوة بتعمليها هي اللي بتحدد هتعيشوا ولا هتموتوا.
قعدتوا على دكة في المحطة. طلعتِ الموبايل عشان تكتبي رسالة للرقم المجهول، عايزة تعرفي مين ده؟ وليه بيساعدك؟ وهل هو فريد فعلاً ولا حد تاني؟
كتبتي الرسالة: *”أنا نزلت في بني سويف.. أنت مين؟ وليه بتعمل كل ده عشاننا؟ وأروح فين دلوقتي؟”*
ضغطتي “إرسال”.. بس الرسالة ما راحتش! الموبايل عمل نغمة الموت، الشاشة طفت تماماً، وجاب علامة “البطارية فارغة”.. وطفي الموبايل بجد المرة دي!
اتسمرتِ مكانك. الحبل الوحيد اللي كان بيمدك بالمعلومات انقطع! بقيتي في الشارع.. في محافظة مش محافظتك، من غير شبكة، من غير توجيه، ومعاكي طفلين وشنط هربانة بيهم من منظمة قتالة قتلة!
يوسف قعد جنبك على الدكة، وبص لك بقلة حيلة: “ماما.. إحنا في بني سويف إيه اللي جابنا هنا؟ ونروح فين دلوقتي؟”
بصيتي حواليكي في المحطة، الخوف كان هيخنقك، بس صورة فريد وهو بيقولك *”اجري وما تبصيش وراكي”* كانت لسة محفورة في عقلك.
ولسة بتفكري هتعملي إيه وتتجهي فين، لمحتي من أخر الرصيف.. راجل لابس نظارة شمسية سودا وبدلة كحلي، واقف وبيفتش بعينيه بين الناس المسافرة، وفي إيده صور مصورة بالأسود والأبيض.. وبيعدي على العائلات اللي قاعدة يسألهم ويدور في وشوش الستات والاطفال!
الراجل ده كان بيقرب من الدكة بتاعتكم خطوة بخطوة.. وفي إيده ورقة فيها صورتك وشكلك!الدم هرب من وشك والزمان وقف تماماً. الراجل أبو بدلة كحلي ونظارة سودة بيبعد عنك كام متر بس، وفي إيده صوركم، وعينيه بتمسح الرصيف زاوية زاوية.
“يوسف… وطي رأسك ودير وشك ناحية السور فوراً!” همستِ بنبرة حادة مرعوبة وأنتِ بتشدي سيف لحضنك وبتغطي وشك بطفلك وبطرف الشال اللي على كتفك.
يوسف عمل كده بلمحة عين، الشاب ذكي وفهم إن المصيبة وصلت لبني سويف. الراجل عدى من جنب الدكة بتاعتكم، جزمته الجلد كانت بتخبط على أرض الرصيف ببطء يستفز الأعصاب. وقف لثانية واحدة ورا ضهرك.. حسيتي بريحته وبسخونية جسمه قريب منكم. عرقك نزل ساقع كأنه مية تلاجة، وحبستي أنفاسك وأنتِ ضامة سيف لقلبك اللي كان بيموت من الخوف.
الراجل بص في الورقة اللي معاه، وبعدين بص على عيلة ثانية قاعدة قدامكم، واتحرك مشي ناحيتهم وسألهم بصوت واطي ومشي كمل طريقه لبرة المحطة.
أول ما اختفى من زاوية عينك، قمتِ زي المجنونة: “يلا يا يوسف! شيل الشنط وشيل أخوك!”
خرجتم من باب جانبي للمحطة بعيد عن البوابة الرئيسية، وطلعتوا على شوارع بني سويف الضيقة. المشي في الشوارع العمومية بقى انتحار. سحبتِ عيالك وراكي ودخلتي أول بيت هادي بيبان عليه البساطة، ولقيتي أوتوبيس ميكروباص صغير رايح قرية نائية في أرياف المحطة. ركبتوا في أخر الكنبة ورا، والشنط تحت رجليكم.
الميكروباص تحرك، والأرياف الخضرا والمباني الطينية بدأت تظهر. القلق ما فارقكيش، بس الجو بدأ يهدى شوية. بعد ساعة كاملة، نزلتوا في قرية هادية ومقطوعة على ترعة صغيرة، ناسها طيبين وفي حالهم وما حدش يعرفكم فيها ولا يتوقع وجودكم هناك.
أجرتِ أوضة صغيرة ومفروشة ببساطة في بيت ست عجوزة طيبة اسمها “الحاجة فاطمة”. البيت كان متداري بين الغيطان، ومفيش فيه موبايلات ولا شبكات ولا حد يسأل على حد.
عدت ست أشهر كاملة على الليلة الملعونة دي…
ست أشهر وعايشة في الاستتار والهدوء، غيرتي هيئتك، قصيتي شعرك، وصبغتيه، ولبستي عباية سمرا وسادة زي ستات الأرياف. يوسف بدأ يشتغل مع ابن الحاجة فاطمة في ورشة نجار هادية وبقى سند حقيقي ليكي، وسيف الصغير بدأ يضحك تاني ويرجع له أمانه، والبيت البسيط بقى هو الملاذ الوحيد لكم من كابوس القاهرة.
وفي يوم عصاري.. والشمس بتميل لغروب دافي فوق الحقول الخضرا، كنتِ قاعدة قدام البيت بتنضفي خضار للحاجة فاطمة، وسيف بيلعب بجريدة نخل قدامك.
فجأة.. صوت عربية نقل صغيرة وقف عند أول الجسر.
قلبك اتنفض تلقائياً، رجعتِ لورا وناديتي على سيف ييجي جنبك. طفل صغير نزل من العربية ومشي ناحيتك وهو ماسك في إيده ظرف أصفر مقفول بختم شمع أسود.
“أنتِ الأبلة سما؟” الولد سأل بطفولة.
“أيوه أنا…” ردتي بصوت مرعوب، “مين أداك الظرف ده؟”
“عمو راجل شيك أوي لابس بدلة سودة، كان قاعد جوة عربية كبيرة فخمة عند الشارع العمومي.. أداني خمسين جنيه وقال لي وصلي الظرف ده للست اللي قاعدة قدام بيت الحاجة فاطمة وبس.”
الولد ساب الظرف واجري.
إيدك كانت بتترعش وأنتِ بتمسكي الظرف الأصفر. فتحتيه بسرعة والدموع محبوسة في عينيكي. كان جوة الظرف رزمة فلوس دولارات ثقيلة، ومعاها باسبورات جديدة وشهادات ميلاد مزورة بأسماء جديدة تماماً ليكي ولأيوسف ولسيف، وتذاكر طيران على أول طيارة متجهة لتركيا بكرة الصبح!
وتحت الحاجات دي كلها.. كانت فيه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيد حاد وأنيق:
*”سليم والكبار اتصفوا الليلة دي.. الكابوس انتهى يا سما. الورق ده هيسفرك أنتِ والعيال لبر الأمان وتبدأوا حياة جديدة بجد. أنا وفيت بوعدي.. عيشي حياتك يا قطة، وما تبصيش وراكي أبداً.”*
تحت الرسالة.. كان فيه توقيع صغير بخط بارز: **”فريد”**.
دمعة دافية نزلت من عينكي على الورقة. رفعتِ رأسك وبصيتي ببعيد عند أول الشارع العمومي.. لمحتي دخان سيجارة بيطلع من شباك عربية سودا فخمة واقفة لثواني، وقبل ما تثبتي عينكي عليها، العربية طلعت بأقصى سرعة واختفت في أفق الشمس الغاربة، وسبتلك الحياة والأمان اللي حاربتِ عشانهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *