كنت بخدم

انعقد اللسان في فم طارق منصور، وانحبست الكلمات في حلقه كأنه أُلقي عليه حجر من سجيل. اختفت تلك الابتسامة الساخرة المتكبرة التي كانت تكلل وجهه، وتحولت ملامحه الواثقة إلى قناع من الذهول المطلق. الشوكة التي كانت في يده سقطت ورُسمت على الطاولة يرن صداها في أرجاء المكان الهدوء.
الرجُلان اللذان كانا يجلسان معه على الطاولة تبادلا النظرات الحائرة، لا يفهمان تماماً ما الذي جرى، لكنهما أدراكا من ملامح طارق المتيبسة أن الجرسونة البسيطة قد ألقت كلمة فكّت بها طلاسم غروره.
أخذت سارة نفساً عميقاً. لم تكن نبرتها حادة، ولم ترفع صوتها لتصنع جلبة في المطعم الفاخر، بل كان صوتها رزيناً، قاطعاً كالسيف، وباللغة الألمانيّة ذاتها:
‏— «Herr Tariq… (سيد طارق)… الطموح لا يُقاس بالبدل الإيطالية الفاخرة التي ترتديها، ولا بالمال الذي تطرحه على الطاولات لتبتاع به كبرياء الآخرين. الطموح هو أن تقف على قدميك بعد كل سقوط، وأن تتعلم وتكافح في الظلمة دون أن ينتظر منك أحد شق طريقك. أنت ترى المريلة البيضاء، ولكنك لا ترى العقل الذي يرتديها.»
تراجع طارق إلى الخلف في كرسيه، وابتلع ريقه بصعوبة. لم يكن خجلاً من مجرد أنه أُهين، بل كان مصدوماً من طلاقة لغتها، ومن مخارج ألفاظها النظيفة التي تشبه لغة المترجمين الدبلوماسيين في المؤتمرات الدولية.
رد بصوت مضطرب ومقطوع:
— «أنتِ… كيف تتحدثين الألمانيّة بهذه الدقة؟ من تكونين؟»
ابتسمت سارة ابتسامة هادئة، وخاطبته بالفرنسية هذه المرة:
‏— «Je suis سارة محمود… (أنا سارة محمود)… الجرسونة التي ظننت أن أقصى طموحها هو جمع الإكراميات في نهاية الشيفت.»
ثم التفتت إلى الرجل الأجنبي الذي كان يجلس إلى جوار طارق على الطاولة—وكان مستثمراً سويسرياً جاء بدعوة من طارق لإبرام صفقة الشراكة

العقارية—وخاطبته بالإيطالية ثم السويسرية الألمانيّة الأنيقة:
— «سيدي المحترم… أعتذر عن هذا الإزعاج، وأرجو أن تتمتع بعشائك في مطعمنا، رغم أن شريكك في العمل يعتقد أن الخدمة هنا أقل من مستواه الرفيع.»
المستثمر السويسري فتح عينيه على وسعهما، ووقف من على الطاولة مذهولاً! نظر إلى طارق وقال بالإنجليزيّة المتقنة:
— «طارق! هل هذه الفتاة تعمل جرسونة هنا فقط؟! إنها تتحدث أربع لغات في دقيقة واحدة وبطلاقة مذهلة! كيف تملك هذه الكوادر الكبيرة في بلدك وتتحدث عنها بتلك الحقارة؟!»
تمتم طارق وهو يحاول العثور على أي كلمة يدافع بها عن موقفه:
— «فولكر… انتظر، الموضوع ليس كما تظن… هي مجرد…»
لكن سارة لم تمنحه فرصة لإكمال تبريراته الفارغة.
خلعت المريلة البيضاء ببطء وأناقة، وفكت شريطها من حول خصرها، ثم طوتها بانتظام ووضعتها على حرف الطاولة أمامه.
قالت بالعربية هذه المرة بصوت واثق سمعته المشرِفة التي كانت تقف بالقرب من الترابيزة:
— «أنا كده أديت الشيفت بتاعي… واستقالتي مكتوبة وموجودة من بكره.»
التفتت سارة ومشيت بخطوات ثابتة نحو غرفة الاستراحة الخاصة بالعمال في الخلف. كانت قدمها تؤلمانها، لكن روحها كانت تطير في السماء. لم تبكِ، ولم تسمح لدمعة واحدة أن من عينيها كما كانت تفعل في بداية الأزمة.
في غرفة العمال بالخلف…
كانت الشنطة القماشية القديمة لسارة ملقاة على الكرسي. فتحتها لترتدي معطفها وتستعد للمغادرة.
وأثناء بحثها عن مفاتيح الشقة في قاع الشنطة، وقعت يدها على الظرف الأصفر الكبير المظروف بختم كلاسيكي أحمر.
أخرجت الظرف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *