رجعت من خدمتي

أول ما رجعت من خدمتي بره المحافظة، أول حاجة سمعتها وأنا نازل من التاكسي قدام البيت كانت مراتي بتقول لجارتنا حماتي بقت مش واعية، عندها خرف وبتلخبط في الكلام، وبتفضل ټأذي نفسها وإحنا مش عارفين نعمل معاها إيه.
بس بعدها بثواني سمعت صوت خبط جامد جاي من أوضة النوم اللي فوق.
يا ياسين! بالله عليك ما تسبنيش هنا!
وقفت مكاني.
صوت أمي.
من كام ساعة بس كنت راجع من خدمتي في إحدى الوحدات العسكرية، وطول الطريق وأنا بفكر في فنجان القهوة السخن اللي أمي كانت بتعملهولي، وفي صينية الكيكة اللي بتحب تحط عليها بشړ ليمون، وكنت متخيل مراتي سارة وهي بتجري عليا أول ما تشوفني بعد الغياب.
لكن اللي شوفته كان مختلف تمامًا.
سارة كانت واقفة على باب البيت بفستان شيك، وبتتكلم مع الجيران بابتسامة هادية كأنها صاحبة عزومة أو عاملة واجب اجتماعي.
قالت لجارتنا أم نجلاء بصوت واطي هي ساعات بتتلخبط ومبتبقاش عارفة هي فين، وكمان ساعات بتقع أو تخبط نفسها. إحنا بنحاول نرتب لها رعاية طبية كويسة.
رفعت عيني ناحية شباك الدور التاني.
الستارة اتحركت.
وفي اللحظة دي، سارة قربت مني وحاوطتني بدراعها كأنها زوجة محبة مستنية جوزها يرجع من السفر.
لكن أول ما سألتها بهدوء هي ماما أوضتها مقفولة ليه؟
جسمها اتشد فجأة.
ردت بسرعة عشان سلامتها.
ابتسمت لها.
وقلت طبعًا.
الخدمة علمتني حاجة مهمة جدًا…
اللي بيتوتر ويفقد أعصابه، غالبًا بيكشف نفسه بنفسه.
فعشان كده ما عملتش أي مشكلة.
بالعكس، باستها على جبينها، وشلت شنطتي ودخلت البيت، واستنيت لحد ما الجيران مشيوا.
وأول ما البيت هدي، بدأت أدور على مفتاح أوضة أمي.
ولقيته جوه علبة مجوهرات سارة.
مسكت المفتاح وطلعت فوق.
فتحت الباب.
الأوضة كانت ضلمة.
المرتبة كانت فاضية تقريبًا من غير ملاية.
جنب السرير كان فيه كوباية بلاستيك فيها شوية مية.
وأمي كانت قاعدة على الأرض، مسنودة بضهرها على الحيطة، ولسه لابسة هدوم امبارح.
موبايلها مش موجود.
لكن اللي شد انتباهي أكتر كان العلامات الزرقا الغامقة حوالين إيديها.
كأن حد كان رابطها جامد.
أمي رفعت عينيها وبصتلي بنظرة عمرها ما كانت فيها قبل كده.
نظرة ڠضب وخوف في نفس الوقت.
قالتلي بصوت واطي
أنا مش مچنونة يا ياسين.
قربت منها وقلت
أنا عارف يا أمي.
كانت لسه هتبدأ تحكيلي اللي حصل، لكننا سمعنا صوت خطوات في الطرقة.
وشها اتغير في لحظة.
همستلي
لسه… مش دلوقتي. سارة بتراقب كل حاجة.
وقبل ما سارة توصل للباب، قفلت الأوضة تاني.
كنت حاسس إني بعمل حاجة غلط وأنا بقفل على أمي.
بس أمي نفسها مسكت إيدي وضغطت عليها.
كانت بتقوللي من غير كلام إنها فاهمة أنا بعمل كده ليه.
بالليل، قعدنا كلنا على السفرة.
سارة كانت بتصب العصير وبتتكلم بمنتهى الهدوء عن حالة أمي.
قالت إنها بقت بتنسى، وإنها ساعات بتقوم بالليل ومتعرفش هي فين، وإنها وقعت كذا مرة، وإن الدكتور قال لازم تتعرض على طبيب نفسي متخصص.
وكان واضح إنها مجهزة كل حاجة من قبل ما أرجع.
حتى دكتور الأسرة كانت كلمته بالفعل، وخليته يوصي إن أمي تعمل تقييم نفسي شامل.
وبعدين طلعتلي شوية أوراق وقالت
أنا كمان بدأت أجهز أوراق عشان أقدر أتعامل في حساباتها وأخلص مصالحها بدل ما هي تتعب.
بصيتلها وابتسمت.
وقلت
إنتِ عملتي كل ده عشاني وعشان ماما؟ أنا مش عارف أشكرك إزاي.
الراحة ظهرت في عينيها.
واضح إنها كانت فاكرة إن رجوعي من الخدمة هيخليني أصدق أي حاجة تقولهالي.
لكن سارة كانت ناسية حاجة مهمة جدًا.
قبل ما أدخل الجيش، كنت اشتغلت أربع سنين في مجال التحقيقات المالية ومراجعة قضايا اختلاس وتلاعب في الحسابات.
يعني كنت متعود أدور على الحاجة اللي الناس بتحاول تخبيها.
وفي نفس الليلة، بعد ما سارة دخلت تنام، فتحت نظام



