زوجي كان بيخدرني

][/]
كان زوجي يُخدِّرني كل ليلة… ولم أكتشف ذلك إلا متأخرًا جدًا.
لسنوات، كنت أرى “إيثان” كرجل حياتي… عشرة أعوام من الزواج كان فيها هو الهادئ دائمًا، الرجل الذي يضع فنجان القهوة بجانب سريري قبل أن أستيقظ، والذي يمدّ يده بعلبة الحبوب نحوّي كل مساء، مبتسمًا ابتسامته المطمئنة نفسها: «لا تنسي الدواء يا حبيبتي… عشان توترك.»
لم أشكّ. لماذا أشكّ أصلًا؟
لكن الحبوب بدأت تغيّر كل شيء.
في البداية، كان الأمر يشبه نعاسًا لطيفًا. ثم تحوّل إلى ثقل خانق. جسدي صار أثقل من أن أتحرك، ووعيي يغيب بطريقة غريبة… ليست نومًا، بل انطفاءً. ذكرياتي بدأت تتمزق؛ أمسيات كاملة أعرف أنني عشتها، لكن لا أجد منها شيئًا في رأسي. فراغ.
وذات صباح، استيقظت وأنا أشعر بألم خفيف في ذراعي، كأن أحدهم وخزني بإبرة. نظرت إلى الجلد، فلاحظت أثرًا باهتًا، نقطة صغيرة حمراء. سألت إيثان ضاحكة:
– غريب… كأن أحدهم حقنني وأنا نائمة. ابتسم وكأن شيئًا لم يحدث: – يمكن بعوضة… تعرفين جلدك حساس.
ضحكت، ثم نسيت… أو أقنعت نفسي أن أنسى.
لكن كل ليلة بعد الحبة، كان جسدي يثقل أكثر، ورأسي يسبح في ضباب لا أستطيع التغلّب عليه. بدأت أستيقظ في أماكن لا أذكر كيف وصلت إليها: مرة فوق الأريكة، مرة على كرسي المطبخ، مرة وأنا أرتدي ملابس مختلفة عن التي نمت بها.
في كل مرة كنت أسأل: – إيثان، هل قمت من السرير أمس؟ فيجيب بهدوئه المعتاد: – نعم، كنتِ تمشين وأنتِ نائمة… جلست معك شوي ورجعتك للفراش. لا تقلقي، مجرد إرهاق.
إرهاق… كلمة سهلة. تغطّي كل شيء.
لكن الخوف بدأ يكبر داخلي. خوف بلا دليل، لكنه حقيقي.
في تلك الليلة، حين مدّ يده بكأس الماء والحبة، نظرت إلى عينيه. كان هادئًا كعادته، لكن شيئًا ما في هدوئه بدا متكلّفًا. أخذت الحبة، وضعتها على طرف لساني، شربت الماء أمامه، ثم فتحت فمي لأريه أنني ابتلعتها… بينما في الحقيقة كانت الحبة عالقة تحت لساني.
ربّت على شعري وقال: – أحسنتِ. حاولي تنامين بدري اليوم.
أطفأ الضوء، تمدد بجانبي، ومع أنفاسه المتوازنة المتكررة، حاولت أن أبقى ثابتة، بلا حركة. لساني يؤلمني من ضغط الحبة تحته، لكنني لم أجرؤ على ابتلاعها ولا على بصقها. بعد دقائق، أدار وجهه إلى الجانب الآخر. سمعته يلتقط هاتفه، ثم يضعه، ثم يستقر في سكون تام.
مرّت عشر دقائق، ثم عشرون، ثم ساعة كاملة.
كنت أعدّ أنفاسي لأمنع نفسي من النوم الحقيقي. عينيّ مغمضتان، لكن عقلي مستيقظ، يقف على حافة الذعر.
في تمام الثانية صباحًا، شعرت بالمرتبة تتحرك بخفة.
فتح عينيه، جلس ببطء، ثم نهض عن السرير بحذر، كأنه يخشى أن يوقظني. رأيت ظله يتحرك في شقّ الضوء المتسلل من تحت باب الغرفة. وقف للحظة، كأنّه يتأكد من أنني ما زلت “غائبة”، ثم خرج متجهًا إلى الطابق السفلي.
انتظرت ثلاثين ثانية. ربما أقل. ثم أخرجت الحبة من تحت لساني، ووضعتها في المنضدة الصغيرة بجانب السرير، تحت علبة الكريم. نهضت بحذر، وقدماي لا تزالان ثقيلتين من أثر ليالٍ طويلة من التخدير، لكن الأدرينالين كان يدفعني إلى الأمام.
فتحت الباب ببطء، ونزلت الدرج، خطوة بعد خطوة. كان السجاد يمتص الصوت، لكن في رأسي، كل خطوة كانت أشبه برصاصة.
من أسفل الدرج، رأيته في المطبخ.
كان ظهره نحوي، والإضاءة الصفراء الخفيفة تُظهر كتفيه المشدودين. لم يكن يعد الطعام، ولم يكن يغسل الصحون. كان يقف أمام الطاولة، يرصّ قوارير زجاجية صغيرة. عشرات منها. بعض القوارير شفافة، فيها سائل لا لون له. بجانبها، رأيت زجاجات أدوية أخرى… أعرفها. إنها زجاجات “وصفتي” التي أعطاها لي، لكن الملصقات ممزقة.
كان إيثان يفتح قنينة صغيرة، يسكب منها قطرات في أخرى، يهمهم بلحن عادي، كأنه يمارس روتينًا يوميًا.
حين رأيت اسمي.
ملف سميك على المنضدة، غلافه أسود، وعليه لصاقة بيضاء مكتوب عليها بخطه: “ليلى – حالة A.”
شعرت أن الأرض تميد بي.
– إذا كنتُ بهذه الصورة السيئة، ليش تزوجتني؟ – لأنكِ كنتِ تحديًا مثيرًا… قالها بهمس، وكأنه يعترف بشيء شخصي للغاية. ومنذ أن بدأت أدوّن ملاحظاتي عليكِ، فهمت أنكِ مادة مثالية.
تحدٍّ. مادة.
كلمتان كانتا كافيتين لأفهم أن هذا الرجل لا يراني إنسانة… بل مشروعًا.
—
لم أعد أريد أن أجادله. أدركت أن الحوار معه يشبه محاولة إقناع سكـ,,ــــين ألا تقطع.
كان عليّ أن أخرج… أن أبتعد… أن أرى طبيبًا حقيقيًا… أن أُجري فحوصات… أن أحصل على دليل.
بهدوء مصطنع، سألته: – طيب… لو افترضنا أني صدقتك… وأن هذا مجرد “بحث علمي”… تقدر توريني الأوراق الرسمية؟ موافقة لجنة أخلاقيات؟ اسم الجامعة أو المركز؟ أي شيء يثبت إنك مو جالس تلعب بعقلي وجسدي على كيفك؟
لمعت عيناه بعصبية.
– الأوراق مو هنا، قال بسرعة. وهي أمور معقدة، ما راح تفهمينها.
– جرّبني، قلت بابتسامة باردة.
لم يجب. بدلًا من ذلك، بدأ يجمع القوارير بسرعة، يحشرها في درج أسفل الطاولة، ثم أغلق الملف ودفعه بعيدًا عن ناظري، كأن مجرد إخفائه يمحو وجوده.
– خلاص، يكفي لهذه الليلة، قال. اطلعي فوق، نامي، وبكرة نتكلم براحة.
– ما راح أطلع.
في تلك اللحظة، تغيّر وجهه. سقط قناع الطبيب/الزوج، وبدا شيء أكثر قسوة تحت السطح.
– ليلى… لا تدفعيني أستخدم أساليب ثانية.
شعرت برعشة تمر في جسدي. تراجعت خطوة أخرى، يدي تبحث عن شيء خلفي… كرسي، عصا، أي شيء.
فجأة، سمعت صوتًا خافتًا من الطابق العلوي.
صوت اهتزاز هاتف.
هاتف… تذكرت أنني، قبل أن أبتلع الحبة المزيّفة، كنت قد وضعت هاتفي تحت الوسادة، وضغطت تسجيل صوت… كإجراء لم أكن أعرف لماذا أفعله بالضبط، لكنه بدا آنذاك تصرّفًا احتياطيًا لا أكثر.
الآن، أدركت أن المحادـ,,ــــثة بيني وبين إيثان… جزء منها كان قريبًا بما يكفي من غرفة النوم، بحيث ربما التقطه الميكروفون.
فكرة ولدت في رأسي في نفس اللحظة.
إن استطعت أن أصل للهاتف… أن أرسل التسجيل… أن أوثّق شيئًا…
لكن إيثان يبدو وكأنه قرأ أفكاري.
– على فكرة، قال ببرود، أنا راح أطلع فوق الحين… وأتأكد أن كل شيء في مكانه.
ثم سار باتجاه الدرج.
لم أستطع تركه يصعد وحده. تبعت خطواته بسرعة، وأنا أقول:
– إيثان، انتظر…!
التفت بنصف جسده، ملامحه حادّة.
– اجلسي هنا يا ليلى. – لّا.
لم أدرك كيف تحولت المعركة من كلمـ,,ــات إلى حركة، لكن فجأة وجدته ينقضّ عليّ ليوقفني. أمسك بذراعي بقوة، يحاول إعادتي إلى الأسفل. صرخت، ليس من الألم فقط، بل من كل الخوف الذي كتمته لشهور.
– إتركـــني!!
دفعته بكل ما أملك من قوة. لم يتحرك كثيرًا، لكنه تراجع نصف خطوة… كفت لتفلت يدي وتندفع نحو الدرج.
ركضت إلى غرفتنا، فتحت الباب بعنف، وسحبت الوسادة… هاتفي كان هناك، محفوظًا كما تركته. ضغطت الشاشة… التسجيل ما زال يعمل. لم أكلف نفسي عناء الاستماع. فتحت تطبيق الرسائل بسرعة، وأرسلت الملف إلى أختي “مريم” برسالة مرتجفة:
“إذا صار لي شيء… صدقيني مو حادـ,,ــــث.”
لم أكمل كتابة المزيد، إذ شعرت بظلّ خلفي.
انتزَع إيثان الهاتف من يدي بعنف، ورماه على السرير.
– ماذا فعلتِ؟ صرخ. – شيء ما راح يعجبك، قلت وأنا ألهث.
ثم سمعت صوت إشعار خافت من هاتفه هو هذه المرة، الموضوع في جيبه. ربما نسخة من رسالة وصلت إليه بحكم تزامن الأجهزة… أو إشعار من البريد… لا أدري. لكن نظرة الذعر التي مرّت على وجهه للحظة، قالت لي إنه أدرك أن هناك شيئًا خرج عن سيطرته.
—
مرت الساعات التالية ككابوـ,,ــــس مشوّش.
لم ينم. ولم أنم.
جلس على الكرسي في زاوية الغرفة، يراقبني كحارس سجـ,,ــــن، بينما تمددت على السرير بملابس النوم نفسها، لكن من دون حبوب، من دون غياب. كنتُ مستيقظة بالكامل… للمرة الأولى منذ وقت طويل.
في الداخل، كان هناك سؤال يلد سؤالًا: هل أستطيع الهرب الآن؟ هل أستطيع الاتصال بالشرطة؟ هل يصدّقونني إن قلت لهم “زوجي يخدّرني ويجرّب عليَّ أدوية”؟ وأين الدليل إن كان قد أخفى القوارير والملف؟
وسط هذه الدوامة، وصلني أخيرًا، في الصباح الباكر، إشعار من هاتفي بعد أن تمكنت من إمساكه للحظة وهو في الحمام. رسالة من مريم:
“ليلى، إيش هذا التسجيل؟ صوتك مرعوب… ومن هذا اللي معك؟ أنا جايّة لعندك الآن.”
ارتجفت أصابعي وأنا أكتب بسرعة: “لا تجين وحدك. اتصلي بالشرطة.”
—
لم تمر ساعة حتى سمعت دقًّا عنيفًا على الباب.
إيثان كان في المطبخ، يحاول أن يتصرف كالمعتاد، يعد الفطور، يضع البيض في المقلاة، كأن الليل السابق مجرد كابوـ,,ــــس.
– يبدو أحد زارنا بدري اليوم، قال وهو يتجه إلى الباب.
وقفت في وسط غرفة المعيشة، أراقب.
فتح الباب… كانت مريم هناك، وعيناها مشتعلة. خلفها، وقفت دورية شرطة، وشرطيان ينظران إلى الداخل بجدية.
– صباح الخير، قال أحدهم، لكن نبرته لم تكن تحمل أي صباحية. – وصلتنا بلاغات بشأن احتمال إساءة استخدام أدوية وتخدير متعمّد.
اختلّت ملامح إيثان للحظة، ثم حاول أن يبتسم: – لا بد أنه سوء تفاهم. زوجتي…
قاطعته مريم، متقدمة إلى الداخل دون استئذان: – زوجتك مرعوبة، هذا اللي أعرفه.
اقترب الشرطي مني. – هل أنتِ ليلى…؟ – نعم، قلت، وصوتي يرتعش، لكنني لم أحاول إخفاء ارتجافه.
– هل تشعرين أنك في خطر؟ سأل بهدوء.
نظرت إلى إيثان.
للحظة، رأيت الرجل الذي أحببته يومًا… والرجل الذي خدّرني ليلًا، ووثق كل شيء في ملف بعنوان “حالة A”. شعرت بالدموع تحرـ,,ــــق عيني، لكنني رفعت رأسي.
– نعم، قلت. أنا في خطر. وزوجي كان يخدّرني كل ليلة… بدون علمي، بدون موافقتي. وعنده قوارير وأوراق وملف كامل يثبت هذا.
نظرت إلى عيني إيثان… للمرة الأخيرة، كزوجة.
لم أجد فيهما ندمًا. وجدت فقط خوف رجل لم يتوقع أن تُكشف تجربته.
—
لم ينتهِ كل شيء في تلك اللحظة بالطبع. تبع ذلك تحقيق، وفحوصات طبية، وتحليل للدم، وتحليل للحبة التي خبّأتها تحت علبة الكريم… اتضح أنها مزيج من مهدّئات قوية بجرعات صغيرة، كافية لشلّ الإرادة… لا لإسقاط الجسد.
وجدوا في سيارته قوارير أخرى، وملفات لأسماء مختلفة، حروف وأرقام، حالات أخرى يبدو أنه بدأ دراسة سلوكها عن بعد.
كانت قصتي مجرد بداية لخيط طويل.
أما أنا… فاحتجت وقتًا طويلًا لأصدّق أن النوم يمكن أن يكون آمنًا من جديد، وأن كوب الماء قبل النوم ليس خيانة في شكل سائل شفاف.
ومع أن جرح الخيانة بقي مفتوحًا، إلا أن هناك حقيقة واحدة كنت متمسكة بها في النهاية:
في تلك الليلة، حين تظاهرت بابتلاع الحبة… لم أنقذ نفسي فقط.
أنقذت كل نسخ “حالة A” التي كان ينوي خلقها بعدي.



