حسن الخاتمه

شابٌ لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، خرج من بيته قبل الفجر بقلبٍ عامرٍ بالسكينة، متوضئًا، يسير في هدوء الشوارع نحو المسجد، لا يحمل همّ الدنيا ولا يعرف أن ساعاته الأخيرة قد اقتربت، دخل المسجد وجلس في الصفوف الأولى، فتح المصحف وبدأ يتلو آياتٍ بصوتٍ خافت، تتردّد الحروف من قلبه قبل لسانه، وكانت روحه كأنها معلّقة بين الأرض والسماء، تنتظر إقامة صلاة الفجر في خشوعٍ نادر.
ما إن أُقيمت الصلاة حتى أغلق المصحف بهدوء وأعاده إلى مكانه، ثم نهض بخطواتٍ ثابتة ليلتحق بالصف، وفي لحظةٍ لم يتوقعها أحد، سقط جسده على الأرض فجأة، بلا صراخ ولا مقاومة، كأن الروح أُخذت على حين غفلة، فهرع المصلون نحوه، وحملوه مسرعين إلى المستشفى، وقلوبهم ترتجف بالدعاء والخوف.
يقول الدكتور الجبير، وهو الطبيب الذي عاين حالته، إن الشاب أُتي به محمولًا كالجنازة، بلا حركة ولا استجابة، وعندما كشف عليه كانت الصدمة قاسية، جلطة حادة في القلب، جلطة لو أصابت رجلًا قويًا أو حتى جملًا لأردته ميتًا في الحال، فكيف بفتى في هذا العمر الصغير، نظر الطبيب إلى وجهه الشاحب وشعر أنه أمام صراعٍ أخير بين الحياة والموت.
بدأ الفريق الطبي بمحاولات الإنعاش وتنشيط القلب بكل ما أوتوا من سرعة وخبرة، وأُوقف طبيب الإسعاف بجانبه يراقب نبضه وأنفاسه، بينما أسرع الدكتور الجبير لإحضار أجهزة إضافية لعلّ الله يجعل فيها سببًا للنجاة، كانت الثواني تمر ثقيلة، وكل ثانية تحمل أملًا ضعيفًا وحزنًا متربصًا.
وعندما عاد الطبيب مسرعًا إلى الغرفة، توقّف فجأة أمام مشهدٍ لا يُنسى، رأى الشاب متمسكًا بيد طبيب الإسعاف بقوةٍ غريبة، والطبيب قد ألصق أذنه بفم الفتى، كأنه يحاول أن يلتقط كلماتٍ أخيرة، وقف الجميع صامتين، لا يسمعون سوى همساتٍ متقطعة تخرج من بين شفتيه.
فجأة أطلق الشاب يد الطبيب، وجاهد بكل ما بقي له من قوة أن يلتفت نحو جانبه الأيمن، ثم نطق بلسانٍ ثقيل وصوتٍ متقطع: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبدأ يكررها بإصرارٍ عجيب، بينما كان جهاز النبض يُعلن تلاشي ضربات القلب شيئًا فشيئًا، وكانت المحاولات الطبية مستمرة، لكن القدر كان أسرع.
في لحظةٍ صامتة، توقّف القلب تمامًا، وسكنت الأنفاس، وأُعلن رحيل الشاب، رحل وهو على وضوء، وفي المسجد، ولسانه رطبٌ بالشهادة، فخيّم الصمت على الغرفة، وانفجر طبيب الإسعاف باكيًا بحرقة حتى عجز عن الوقوف على قدميه.
تعجّب الأطباء وسألوه: ما لك تبكي هكذا، وأنت ترى الموت كل يوم، لكنها لم تكن ميتةً عادية، فبعد أن هدأ قليلًا قال بصوتٍ مخنوق إن الشاب كان يهمس له قبل وفاته، يوصيه أن يشهد أنه مات وهو راضٍ، وأن يخبر أهله أنه كان ينتظر الفجر ليصلي، وأنه سعيد بلقاء الله.
ساد صمتٌ طويل، وشعر الجميع أن هذا المشهد درسٌ لا يُنسى، وأن حسن الخاتمة ليست كلماتٍ تُقال بل حياة تُعاش، وأن الله إذا أحب عبدًا اختار له نهايةً تليق بقلبه.
بعدما خرج طبيب الإسعاف من الغرفة وهو يبكي، لم يستطع أحد من الأطباء أن يتماسك… كان المشهد كله غريبًا ومهيبًا في نفس الوقت. شاب في السادسة عشرة فقط، دخل المستشفى كأنه جثة، ثم لم يخرج منها إلا وقد ختم حياته بالشهادة.
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد…
بعد ساعات قليلة، وصل والد الشاب إلى المستشفى، كان رجلًا بسيطًا، وجهه متعب من السهر والقلق، وعيناه تبحثان عن ابنه بين الممرات. عندما اقترب منه الطبيب وأخبره بما حدث، توقّع الجميع أن ينهار الأب من شدة الصدمة… لكنه وقف صامتًا لثوانٍ، ثم رفع عينيه إلى السماء وقال بصوتٍ مكسور:
“الحمد لله… كنت دائمًا أدعو أن يختار الله له أفضل نهاية.”
تعجّب الأطباء من كلماته، فسأله أحدهم بلطف:
“ألم يكن يشكو من مرض في قلبه؟”
هزّ الأب رأسه وقال:
“أبدًا… كان بصحة جيدة، لكنه كان يخاف من سوء الخاتمة أكثر من خوفه من الموت نفسه.”
ثم بدأ الأب يحكي أشياء لم يكن أحد يعرفها…
قال إن ابنه كان يوقظه أحيانًا قبل الفجر بساعة، ويقول له:
“يا أبي… لو متُّ يومًا، أريد أن أموت وأنا في طريق المسجد.”
وكان الفتى يحرص على الوضوء قبل النوم كل ليلة، ويقرأ شيئًا من القرآن قبل أن يضع رأسه على الوسادة، وكان يقول دائمًا:
“لا أحد يعرف متى يموت… لذلك لازم نكون جاهزين.”
عندما سمع الأطباء هذه الكلمات، ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة… كأن كل واحد منهم بدأ يراجع حياته في داخله.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن هذا كله…
في اليوم التالي، عندما حضروا لتجهيز الشاب للغُسل قبل الدفن، لاحظ المغسِّل شيئًا غريبًا…
كان وجه الفتى هادئًا بشكلٍ غير مألوف، وكأن ابتسامة خفيفة مرسومة على شفتيه.
وقف الرجل للحظة وقال لمن حوله:
“والله… كأن هذا الولد نائم، وليس ميتًا.”
انتشر الخبر بسرعة بين أهل الحي… فامتلأ المسجد يوم جنازته بالناس، كثير منهم لم يعرفوا الشاب من قبل، لكنهم جاؤوا لأن قصته هزّت قلوبهم.
وبعد الصلاة، وقف الإمام وقال جملةً بقيت في أذهان كل من حضر:
“هذا الفتى لم يعش عمرًا طويلًا… لكنه عاش عمرًا صادقًا.”
ومن يومها، أصبح أهل الحي يتحدثون عنه كلما سمعوا أذان الفجر…
ويقول بعضهم لبعض:
“تخيل… خرج ليصلي الفجر… فعاد إلى الله.”
والعبرة التي بقيت بعد القصة كلها كانت بسيطة لكنها عميقة:
ليس المهم كم سنة نعيش…
بل كيف نعيش…
وبأي حالٍ نلقى الله.





