وجع القريب

الصبحية بتاعة يوم تخرج ابني، وقف قدام المراية يظبط لياقة الروب الأسود، وبعدين بص في عيني وقال لي ببرود غريب إن مكاني هيبقى أحسن وسط الناس في المدرجات. بعدها التفت لأم مراته وطلب منها تمشي معاه، وتتصور جنبه، وتشاركه اللحظة اللي أنا طفحت فيها الدم واتغربت وشقيت عشانها اتنين وعشرين سنة كاملة. ما نطقتش. بلعت الغصة ورسمت ابتسامة على وشي عشان اليوم يعدي والناس تسقف وتنبسط وكأن كل حاجة طبيعية. هما شافوا ست بسيطة واقفة على جنب، ما شافوش السنين المريرة اللي ورا الوش ده، ولا كانوا يعرفوا إن قبل ما العصر يأذن، العميد بنفسه هينادي اسمي في المايك ويهز بيه القاعة كلها، وهيجبر الكل يلتفت للجزء المستخبي من الحكاية، الجزء اللي محدش عمل له حساب.
الجامعة الصبح كانت شبه لوحة مرسومة بالمسطرة، كراسي بيضاء مرصوصة، والدكاترة بالروب الأكاديمي بيتحركوا على المسرح زي موجة غامقة، والأهالي لابسين لبس صيفي مبهج وبيشاوروا لبعض والضحكة مالية الوشوش تحت سما صافية. ده المشهد اللي عشت سهرانه بحلم بيه سنين طويلة وأنا راجعة من شفتات الشغل المتأخرة، وبجهز لقمته قبل الفجر، وبحسب الجنيه والقرش على ترابيزة المطبخ بعد ما أدفع فاتورة النور والدروس. كان المفروض ما أحسش غير بالفخر، بس مع كل دقيقة كانت بتعدي، كنت بحس إني بتلاشى، بختفي من الصورة بالبطيء.
أحمد كان بعيد عني بقاله شهور، بس صباحية يوم التخرج دي وضحت كل حاجة من غير تجميل. أي كلمة أقولها يقابلها بتعديل ناعم، أي محاولة عشان أساعده يزقها لورا بابتسامة باردة مفيهاش ريحة الدفا. طنط شاهيناز، حماة أحمد، كانت بتتحرك في الصالة بفستان حرير أوف وايت ومجوهرات رقيقة، كأنها صاحبة المكان واللحظة من يوم ما اتولدت. باست خد أحمد وقالت له بدلع طبقي: “كل حاجة تمام يا حبيبي، طالع تجنن.”
مديت إيدي بتلقائية أظبط كسرة صغيرة في كم الروب بتاعه، حنية أم مش أكتر، راح راجع خطوة لورا وقال بصوت واطي: “ماما.. أرجوكي.” وقفت مكاني وإيدي في الهوا. خد نفس طويل وهدّى صوته أكتر كأنه خايف إني أبوظ البرستيج بتاعه قدام نسابه، وقال: “أنا عايز اليوم ده يعدي من غير دراما.” قلت له: “طبعاً يا حبيبي، أنا بس كنت بظبطلك اللبس.” بص ناحية الطرقة اللي واقفة فيها مراته وأمها، وبعدين رما الكلمة اللي فضلت ترن في صدري وتدبح فيا ساعات: “لما بتهتمي بيا بالطريقة دي قدامهم.. بتصعّبي عليا الأمور.”
في لحظات معينة في العمر، الدنيا مش بتقف ولا بتجري، بس تفاصيلها بتبقى حامية وزي الموس. شعاع الشمس اللي ضارب في الشباك، ريحة البرفان والقهوة، حتى صوت كلاكيت العربيات بره في الشارع.. لمحت وحسيت بكل حاجة لأن قلبي كان هيموت ويلقط أي قشة يتمسك بيها غير البصة اللي شوفتها في عين ابني. ابتسمت، مش عشان أنا كويسة، لأ، عشان الأمهات بيتعلموا بدري أوي إزاي يقفوا في مكان وهما بيموتوا من الجوع للكلمة الحلوة ويختاروا السكوت.
في مدرج الاحتفال، السيناريو كمل زي ما هو. صور مع مراته، بعدها صور مع شاهيناز، بعدها مع حماه، وبعدين يعيدوا الصور تاني عشان الإضاءة اتغيرت. وأنا واقفة بعيد، الشنطة متعلقة في دراعي، بتفرج على ناس غريبة بتبارك لهم وكأني ضيفة تقيلة جت بدري ومش عارفة تقعد فين. ولما بدأوا ينظموا طابور الخريجين، أحمد التفت ليا وقال كلمتين بس: “تقدري تدخلي تقعدي في مكانك جوه.” وبعدين لف وشّه لشاهيناز وقال لها بعين بتلمع: “تتفضلي تمشي معايا في الموكب؟” وشها نور في ثانية وقالت له: “طبعاً يا حبيبي، ده شرف ليا.”
وفي لحظة، الست اللي دخلت حياته من كام سنة، أخدت مكان أنا دافعة تمنه من صحتي، وشقى في طوابير الجمعية، وورديات زيادة، وليالي كاملة صاحياها بدموع مدارية وضحكة بنشف بيها ريقي قدامه عشان ما يشيلش الهم.
مشيت وسط الزحمة وقعدت لوحدي. حولي أمهات بيغردوا من الفرحة، وآباء بيظبطوا الكرافتات، والكل رافع تليفونه يصور. ست قاعدة جمبي لفت لجوزها وقالت وهي بتبص عليا: “الولد اللي صورته في لوحة الشرف ده يبقى ابنها”، وبعدين ابتسمت لي بحنية. ردّيت لها الابتسامة، بس ساعات حنية الغريب بتوجع أكتر من قساوة القريب، لأنها بتيجي في الوقت اللي كنت مستنية فيه الكلمة دي من دمي ولحمي.
بدأ الحفل، والأسماء بدأت تتقري في المايك، والتصفيق شغال موجات ورا موجات. أحمد كان زي القمر في الروب، أطول من آخر مرة ركزت في ملامحه، وأبعد بكتير من مجرد مسافة الـ30 متر اللي بيني وبينه في الصالة. لما طلع على المسرح، القاعة اتجت، مراته عينيها دمعت، وشاهيناز حطت إيدها على صدرها بحركة سينمائية متدربة عليها كويس، والكل باصص لها على إنها الأم الفخورة بابنها. أحمد وقف يتصور وهو مبتسم، ناجح، منور، بالظبط زي ما تمنيت وشقيت طول عمري.. بس مدورش عليا بعينه ولا مرة.
بعد الحفل كان فيه بوفيه واستقبال في قاعة الخريجين. ترابيزات مفروشة أبيض، وعصاير وحلويات سواريه. لمحت أحمد واقف عند الشبابيك الكبيرة مع مراته وأهلها وهو بيضحك من قلبه، الضحكة اللي بقالي شهور ما سمعتهاش منه. استنيت لما الكلام هدي بينهم شوية وقربت منه وقلت له وصوتي بيترعش: “مبروك يا حبيبي، كنت زي الفل النهارده.” رد عليا بسرعة وجفاف: “الله يبارك فيكي، شكراً.”
مديت إيدي بظرف أبيض رفيع كنت شايلاه معايا، جواه رسالة وخطاب بنكي وهدية بسيطة، حاجة تمنها غالي عليا وشايلالها شقى سنين، بس مالهاش قيمة منظرة قدام الناس. ما رضيوش ياخدوه، وقال لي وهو بيبص حواليه: “ماما، مش وقته، بعدين.. إحنا رايحين نقابل العميد ورئيس القسم دلوقتي.” مراته ارتبكت نص ثانية، بس شاهيناز لأ، لمست دراع أحمد وقالت له: “يلا بينا يا حبيبي عشان ما نتأخرش”، كأنها بتلحق تفلت بيه من الحتة البيئة اللي هتعطل يومهم الشيك.
في اللحظة دي، في حاجة جوايا انكسرت. مش بصوت عالي، ولا بانهيار ودموع، بس بالقدر اللي خلاني أفهم إن وقوفي هنا دقيقة واحدة زيادة معناه إني برخص نفسي وبعلّم ابني إن حُبي ليه ممكن يتفصّل وينكمش على مقاس البرستيج اللي هو عايزه. رجعت خطوتين لورا، ولقيت كرسي فاضي في آخر القاعة عند الحيطة، قعدت وحطيت الظرف في حجري وضغطت عليه بإيدي. الناس بتتحرك حولي، سلامات، ومباركات، ومستقبل، وبعثات بره، وحماه بيتكلم بصوت عالي عن عشاء الاحتفال في مطعم فاخر على النيل.. الكل كان بيوسع الطريق للحياة اللي شايفين إنها تستاهل. محدش فيهم كان قاسي معايا بشكل مباشر، وده كان الأصعب.. القسوة الواضحة بتخليكي تدافعي عن نفسك، إنما دي كانت قسوة شيك، متغلفة بأدب وإبعاد هادي ومنظم.
فجأة، صوت العميد رجع تاني في المايك. في الأول ما ركزتش، قولت كلمة ختامية روتينية قبل ما الناس تمشي، بس نبرة صوته اتغيرت وبقت قوية ومرتبكة بشجن. بدأ يتكلم عن الشقى المستخبي، عن البيوت البسيطة اللي طلعت دهب، عن التضحيات اللي مفيش حد بيشوفها ولا أصحابها بيكتبوا أساميهم في لوحات المتبرعين، بس هما السند الحقيقي اللي شال الطلاب دول لحد ما وقفوا على رجليهم.
الهوا في القاعة اتمط، رفعت راسي، أحمد كان واقف جمب شاهيناز ونص وشه للمسرح، مراته رفعت حواجبها باستغراب، وابتسامة شاهيناز جمدت على وشها وصغرت. العميد بص في ورقة صغيرة في إيده، وبعدين رفع عينه للقاعة كلها، ولما نطق الجملة اللي جاية، الملاعق والكبايات وكل صوت همس في المكان وقف تماماً.
قال بنبرة هزت الحيطان: “معانا النهارده في القاعة أم عظيمة، ست مصرية أصيلة، ما طلبتش في يوم إن اسمها يتكتب في لوحة، ولا اتمنظر ت بشقاها.. ومع ذلك، اسمها محفور في كل خطوة نجاح وفي كل درجة علمية وصل لها ابنها النهارده.”
قلبي بدأ يدق في صدري زي الطبلة، قولت يمكن بيقصد حد تاني.. لحد ما نطق اسمي أنا! الثلاثي.. وبأعلى صوت في المايك وقدام الدكاترة والوزرا والأهالي كلهم.
أحمد لف وشه بسرعة الصاروخ كأن حد ضربه بالقلم، شاهيناز اتخشبت مكانها، ومراته حطت إيدها على بوقها من الصدمة. أما أنا، ففضلت مسمرة في مكاني ثانيتين، والظرف تحت صوابعي حسيت إنه بقى أتقل من كل السنين اللي فاتت.
العميد شاور بإيده ناحية المنصة وقال وهو بيبتسم باحترام شديد: “يتفضّل معالي الوزير والجامعة بتقديم درع الشرف والامتنان، وبنرجو الأم المثالية الحقيقية للدفعة دي تتفضل تطلع هنا.”
قمت وقفت بالراحة، وكل عين في القاعة اتسحبت عليا. مشيت وسط الكراسي، وصوت جزمتي كان هو الصوت الوحيد المسموع وسط السكوت اللي حل، وكنت حاسة بنظرات الناس وهي بتتنقل من فستاني البسيط لوش أحمد اللي دموعه نزلت فجأة، ومن أحمد ليا تاني.
ولما وصلت عند أول درجة من سلم المسرح، العميد بنفسه نزل خطوتين، ومد لي إيده، وقال بصوت هز الصفوف الأولى كلها: “النهارده يا فندم، لازم كل الناس دي تعرف مين اللي صنع النجاح ده بجد، ومين اللي شال الشيلة من الصفر.”
في اللحظة دي، شفت وش ابني بيتحول للون الإزرق، وجسمه كله بيترعش.. لأنه فهم فجأة إن العميد مش بس بيكرمني، ده كان على وشك يفتح الملف المستخبي ويقرأ قدام القاعة كلها السر والتقرير اللي مفيش مخلوق في العائلة دي كان يعرفه، ولا حتى أحمد نفسه كان يتخيل إنه ينكشف بالمنظر ده..




