امراه والالفي

نظرات عاصم بيه السلحدار كانت زي السكينة الحامية اللي نزلت على رقبة كل واحد واقف في الصالة. الراجل اللي من دقيقة واحدة كان مجرد “كركوبة” في نظرهم، بقى فجأة هو الآمر الناهي، اللي بكلمة منه يشتري البرج ده باللي فيه، وكلمة تانية منه تمحي اسم أي حد من السوق.

​شاهيناز الألفي كانت واقفة مكانها، كعب جزمتها الغالي اللي كانت بتخبط بيه في الأرض ثبت، ورجليها مكنتش شايلاها. وشها اللي كان مليان مساحيق تجميل ماركة اتخطف وبقى أصفر زي الليمونة الميتة، شفايفها كانت بتترعش وهي بتحاول تجمّع جملة مفيدة:

— عاصم بيه.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. حضرتك لابس.. أقصد يعني..

​عاصم بيه مبصلهاش أصلاً، أداها ضهره بالكامل كأنها هوا، وبصلي أنا. عيونه اللي كانت من شوية دبلانة وتعبانة، لمعت بنظرة حادة وذكية جداً، نظرة راجل بنى إمبراطورية من مفيش. مد إيده اللي كانت مجعدة ومتبهدلة من شقى السنين، وظبط اللياقة بتاعة البلوفر الدايب، وقال بصوت جهوري هز الحيطان:

— اطلعي معايا يا بنتي.

​الأسانسير اللي كان من شوية محرم على الغلابة، اتفتح بابه بـ “رنّة” أسرع من البرق. فردين الأمن وقفوا زي العساكر، ساندين الباب بإيديهم وهما باصين في الأرض، ومستنيين الإشارة. مشيت جنبه ورجلي بتخبط في بعضها، الدوسيه القديم اللي في إيدي كان بيترعش، وجزمتي المبلولة طين سابت أثر على الرخام الأبيض الغالي.. بس المرة دي، محدش جرؤ يتكلم ولا يبص بقرف.

​دخلنا الأسانسير، والباب قفل على شاهيناز وهي لسه واقفة في مكانها زي الصنم، حواليها الموظفين بيبصوا لها بشماتة وخوف.

​الأسانسير كان بيتحرك لفوق بسرعة وهدوء غريب، ومكنش فيه جوا غير صوت أنفاسي العالية. عاصم بيه كان باصص للمراية الكبيرة، بيعدل شعره الأبيض، وفجأة قال من غير ما يلف لي:

— اسمك إيه يا شاطرة؟

— مريم.. مريم Ortega.. أقصد مريم رضوان يا فندم.

— مريم.. وداخلة شركة السلحدار بقلب ميت، وبتتشاكلي مع مديرة التسويق عشان حتة راجل عجوز شحات؟ أنتِ عارفة شاهيناز دي مين في السوق يا مريم؟

— عارفة يا فندم.. بس مكنتش هقدر أعيش مع نفسي لو سكتت.. الظلم وحش، وأنا شفت منه كتير.

​سكت شوية، والأسانسير وصل للدور الأربعين. الباب فتح على عالم تاني خالص، مكاتب من الزجاج، سجاد حرير، وهدوء قاتل. مشي قدامي بخطوات ثابتة مفيهاش أي عرج ولا تعب، كأنه رمى ثوب العجز اللي كان لابس تحت في الشارع. السكرتيرة أول ما شافته وقفت فورا وفكت زراير جاكتها باحترام:

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *