جوزي طيار

الحب، ونفس الثقة، ونفس الوعد الأول. تمت بعد حفل التكريم بأسبوع، كانت الحياة رجعت لهدوئها المعتاد.
وفي مساء يوم الجمعة، كنا قاعدين في الجنينة، والياسمينة بقت ناشرة ريحتها في المكان كله.
شريف كان بيقلب في ألبوم الصور، وفجأة وقف عند صورة الرحلة اللي بدأت منها كل الحكاية.
الصورة كانت ليا وأنا قاعدة في المقعد 14C، وبضحك بعدما اكتشفت أول مفاجأة.
ابتسم وقال
تصدقي… الرحلة دي غيرت حاجات كتير.
قلت وأنا باخد الألبوم من إيده
وأهمها إني بقيت أخاف كل ما أسمعك تمسك المايك.
ضحك بصوت عالي.
ليه؟
لأن كل مرة هقول أكيد مخبيلي مفاجأة جديدة.
وقبل ما يرد، رن جرس الباب.
فتحنا.
كان جارنا الجديد، راجل كبير في السن، ومعاه بنته الصغيرة.
قال بابتسامة
آسف على الإزعاج… لكن بنتي شافت الياسمينة، ومن ساعتها نفسها تعرف اسمها.
نزل شريف على ركبته قدام البنت وقال
اسمها ياسمينة الوعد.
البنت ضحكت وقالت
هو الشجر بيبقى ليه وعد؟
بص شريف ناحيتي، ثم رد عليها
أيوه… لما كل يوم حد يسقيه ويهتم بيه، يكبر ويعيش سنين. والحب كمان كده.
البنت أخدت وردة وقبل ما تمشي قالت
لما أكبر… هزرع واحدة زيها.
بعد ما الباب اتقفل، بصيت لشريف وقلت
عارف؟ يمكن دي أحلى مفاجأة عملتها ليا.
استغرب.
البيت؟
هززت راسي.
لا.
الرسائل؟
لا.
أمال إيه؟
ابتسمت وقلت
إنك فكرتني إن السعادة مش لحظة كبيرة بنستناها… السعادة بتتبني من مواقف صغيرة، كل يوم.
سكت شوية، وبعدين دخل البيت.
رجع بعد دقيقة وهو شايل صندوق الرسائل.
حطه على الترابيزة وقال
إيه رأيك نسيب مكان فاضي هنا؟
استغربت.
ليه؟
قال وهو يفتح الصندوق
عشان بعد عشرين سنة، نضيف رسائل جديدة… ونفضل نحكي حكايتنا من أول وجديد.
بصيت للصندوق، ثم للبيت، ثم للياسمينة اللي كانت بتتحرك مع الهوا.
وحسيت إن الرحلة اللي بدأت بمقعد على طائرة… ما كانتش انتهت.
كانت كل يوم بتبدأ من جديد، مع فنجان قهوة، ورسالة صغيرة، وابتسامة، ووعد بيتجدد بين قلبين اختارا يكمّلوا الطريق معًا، مهما طال العمر مرَّت ثلاث سنوات أخرى.
وفي كل عيد جواز، كنا بنضيف رسالة جديدة للصندوق، وصورة جديدة للألبوم، وذكرى جديدة للبيت.
الياسمينة كبرت، وبقت تغطي جزءًا كبيرًا من سور الجنينة، وكل اللي يزورنا كان يسأل عنها.
وفي صباح هادئ، كنت بجهز الفطار، ولقيت شريف داخل المطبخ وهو ماسك ظرفًا أبيض.
رفع الظرف وقال مبتسمًا
فاكرة أول ظرف فتحتيه على الطيارة؟
ضحكت.
هو إنت عمرك هتبطل ظروف؟
قال
ده آخر ظرف… أو يمكن أول واحد في فصل جديد.
قعدنا على السفرة.
فتحته.
كان جواه ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها
إلى زوجتي… بعد خمسة عشر عامًا من اختيارنا




