ثمن الحقيقه

النور مكانش غايب تماماً، كان زي شبورة بيضا تقيلة بتتحرك قدام عينين سمر. حاسة بريحة ديتول ومعقمات نفاذة بتخرم مناخيرها، وصوت جهاز بتكتك بإيقاع منتظم جنب ودانها. جسمها كله كان تقيل زي المحجر، وأي محاولة عشان تحرك صباع واحد كانت بتكلفها مجهود جبار.
سحبت نفس طويل بالعافية، والمغص اللي في بطنها سمع في ظهرها كله زي السكينة. فتحت عينها بالتدريج، السقف الأبيض المطفي والمغذي اللي متقعد في ايدها كان بيقول إنها في مستشفى. بس السؤال اللي كان بياكل في عقلها.. هي لسه عايشة ليه؟ ومين اللي لحقها؟
“سمر؟ أنتِ سامعاني؟”
الصوت مكانش غريب عليها. تلفتت ببطء ناحية الصوت، شافت طارق، ابن عم سيف واليد اليمين له في كل الشغل، قاعد على الكرسي جنب السرير. وشه كان شاحب، وتحت عينيه هالات سودا بتقول إنه مانامش من أيام.
سمر حركت شفايفها المشققة بالعافية وهي بتحاول تطلع صوت: “الـ… العيل؟”
طارق نزل رسه في الأرض، ومسك ايدها بقلة حيلة. السكوت اللي ساد في الأوضة كان أتقل من أي إجابة. سمر غمضت عينها وجسمها بدأ يتنفض بالبكاء الصامت. النزيف مكانش مجرد دم بيسيل في الشارع، كان حياتها اللي بتتصفى. ابنها اللي كانت بتحلم بيه، اللي كان هيغير كل حاجة وهيصلح الهدد اللي بينها وبين سيف، راح قبل ما يشوف النور.
“سيف فين؟” سألت وهي بتشهق، ورغم كل اللي عمله، كان لسه في حتة جواها مش قادرة تصدق إنه سابها تنزف ويمشي.
طارق اتنهد بصوت عالي وقام وقف، مشي ناحية الشباك وبص على الشارع تحت: “سيف فاكر إنك متّي يا سمر. لما هو مشي وسابك، أنا كنت ومستخبي في عربيتي بقالي فترة برقب الوضع من بعيد.. أنا اللي نزلت وشلتك وجريت بيكي على هنا. سيف قفل الملف ده خلاص، وبالنسبة له.. خيانة ‘حسن’ وموته اتصفوا بدمك.”
“بس أنا مخنتش!” سمر صرخت بصوت مخنوق وهي بتحاول تقعد، الدموع نازلة على خدودها زي النار: “أنا والله العظيم ما عرفت حد حاجة! أنا عمري ما بصيت بره سيف ولا فكرت أؤذيه! ازاي صدق؟ ازاي السنتين اللي عشناهم سوا مكنش ليها أي لازمة عنده؟”
طارق لف لها، ونظرة عينيه كانت متغيرة.. فيها كمية غضب وشرارة غريبة سمر عمرها ما شافتها فيه قبل كده: “لأن الأدلة كانت متقفلة صح يا سمر. المكالمات اللي طلعت من تليفونك لرجالة ‘الجبلاوي’، الورق اللي اتلقى في درج مكتبك.. كل حاجة كانت بتقول إنك أنتِ المرشدة.”
سمر بصت له بذهول: “ورق إيه وتليفون إيه؟ أنا ماليش دعوة بـ ‘الجبلاوي’ ولا أعرفه!”
طارق قرب من السرير بالراحه، وبص في عينها بثبات يرعب: “أنا عارف إنك مالكيش دعوة.”
الكلمة نزلت على سمر زي الصاعقة. سكتت لحظة وهي بتحاول تستوعب: “أنت.. أنت عارف؟ يعني أنت عارف مين اللي خان سيف؟”
ابتسامة بطيئة وباردة اترسمت على وش طارق، ابتسامة غيرت ملامحه الهادية اللي سمر كانت تعرفها طول السنين اللي فاتت. رفع ايده وعدل لياقة جاكيتته وقال ببرود: “أنا اللي حطيت الورق في درجك.. وأنا اللي عملت المكالمات من تليفونك لما كنتِ بتسيبيه في الصالة.”
سمر اتسمرت مكانها، أنفاسها اتطعت، والدم اتجمد في عروقها. الكلام مكانش يترسخ في عقلها: “أنت؟ أنت يا طارق؟ ده حسن كان صاحبك وأخوك.. وسيف ابن عمك!”
“حسن كان عثرة في طريقي!” طارق زأر بصوت واطي بس يخوف، وقرب وشه منها: “سيف كان سايب كل حاجة لحسن، وأنا كنت مجرد الخدام اللي بينفذ الأوامر! السلاح، الفلوس، المعاملات، كلها كانت بتروح لحسن وسيف بيثق فيه هو بس. كان لازم حسن يتشال من السكة. ولما سيف بدأ يدور ويفتش، كان لازم ألبّس التهمة لحد سيف بيحبه أكتر من نفسه.. عشان لما يعرف، يقتلك أو يسيبك تموتي، ويلف الدائرة وتتقفل القضية، وأفضل أنا الحبيب المخلص اللي واقف جنبه!”
سمر كانت بتبص له وهي مش قادرة تتنفس، كمية الغدر والغل اللي طالعة من الراجل ده كانت مرعبة. “أنت بني آدم مريض.. سيف مش هيسيبك لو عرف.”
“وسيف هيعرف منين؟” طارق ضحك بصوت مكتوم: “سيف فاكر إنك تحت التراب. وأنا أخدتك من المستشفى دي باسم مستعار، ومفيش مخلوق يعرف إنك لسه عايشة. ودلوقتي.. بعد ما المحاولة الأولى لموتك ما كملتش، اعتقد إن الوقت جه عشان نقفل الصفحة دي خالص.”
طارق مد ايده في جيب جاكيتته وطلع سرنجة صغيرة فيها سائل شفاف. سمر عيونها اتسعت من الرعب، بدأت تتحرك لورا على السرير بكل قوتها، لكن المغص والضعف كانوا مكتفينها.
“بلاش تعملي دوشة يا سمر.. الموتة دي هتبقى أرحم بكتير من اللي سيف كان هيعمله فيكي لو كان استنى.” طارق مسك ايدها الشمال بضغط شديد وهجم عليها عشان يغرس السرنجة في المحلول.
سمر صرخت بكامل قوتها، وبإيدها اليمين اللي كانت متثبت فيها الكانيولا، مسكت أزازة المية المليانة اللي كانت على التربيزة جنب السرير، وضربت بيها طارق بكل قوتها على دماغه.
الأزازة اتكسرت، وطارق اتقصع لورا وهو ماسك رأسه والدم بدأ يسيل منها. سمر ما ضيعتش ثانية واحدة، شدّت خرطوم المحلول من ايدها بعنف، الدم طرطش منها، بس الادرينالين كان عايش جواها. نزلت من على السرير وهي بتتطوح، وقفت على رجليها بالعافية وحفت على الباب.
طارق كان بيحاول يسترد توازنه وهو بيزعق وراها: “مش هتهربي يا سمر! والله ما هتقومي منها!”
فتحت باب الأوضة وخرجت تجري في طرقات المستشفى الاستثماري الهادية. كانت حافية، ولابسة روب المستشفى الأبيض اللي اتبقع بدمها. الممرضات والدكاترة اتخضوا من منظرها وهي بتجري وتصرخ، بس هي ما وقفتش. نزل على السلالم زي المجنونة، ودقات قلبها كانت أسرع من الخوف نفسه.
خرجت من الباب الخلفي للمستشفى على الشارع الجانبي، المطر كان بينزل بغزارة في قاهرة الليل، والجو كان تلج. المية الساقعة نزلت على وشها ودموعها، ورجليها الحافية كانت بتلمس الأسفلت المبلول، بس هي كملت جري.
كانت عارفة إن طارق مش هيسيبها، وإن شبكته مالية المنطقة. هي دلوقتي ميتة بالنسبة للعالم كله، ومطلوبة من القاتل الحقيقي. سيف فاكرها خاينة وشاف دمها، وطارق عايز يدفن السر للأبد.
بعد جري أكتر من نص ساعة في الشوارع المظلمة، رجليها ما بقتش شايلاها. وقعت على ركبتها جنب الحيطة في حارة ضيقة في منطقة باب الشعرية. المية كانت بتغرقها، والجرح اللي في بطنها بيصرخ من الوجع.
قعدت تسند رأسها على الحيطة وهي بتتألم، وفجأة شافت نور عربية بيقرب من مدخل الحارة. العربية هدّت، ونزل منها راجل ماسك شمسية سودا. الراجل ده مكانش غريب.. كان “عم صابر”، الراجل الكبير اللي كان شغال في ورشة أبو سيف زمان، الوحيد اللي كان بيحب سمر ويعتبرها زي بنته، والوحيد اللي سيف سابله خيط من برة عالم المافيا.
عم صابر قرب منها، وأول ما تسلط نور الفانوس على وشها، الشمسية وقعت من ايده بذهول: “سمر؟! يا لهوي يا بنتي.. أنتِ حية؟!”
سمر مسكت في جلابيته بدموع وحرقة: “عم صابر.. الحقني.. سيف عايش في كذبة.. وطارق هو اللي قتل حسن.. طارق عايز يموتني..”
عم صابر شالها بسرعة ودخلها العربية قبل ما حد يشوفها، وطلع بيها على بيت صغير ومستخبي في أطراف الجيزة.
في نفس الوقت ده، في فيلا سيف الكبيرة في التجمع.
الهدوء كان يرعب. الفيلا كانت ضلمة، ومفيش غير نور القنديل الضعيف في الصالة. سيف كان قاعد على الكنبة الجلد، ماسك كاس في ايده، وعينيه أحمر زي الدم. قدامه على التربيزة كان فيه سلسلة سمر الذهبية اللي كانت لابسها اليوم ده، ومبلولة بدمها.
سيف كان حاسس بناار بتاكل في صدره. هو انتقم، هو خد بحق صاحبه، بس ليه المشاعر دي مش عايزة تهدا؟ ليه صورة عينين سمر وهي بتبص له وتقول “ازاي قادر تكون بالقسوة دي؟” مش راضية تفارق عقله؟
الباب اتفتح، ودخل طارق، ورأسه عليها رباط أبيض ومغيار طبية.
سيف رفعت عينيه ببطء وبص له بصوت جاف زي الحطب: “إيه اللي جرحك كده يا طارق؟”
طارق اتنحنح وحاول يبان طبيعي: “شوية مشاكل مع رجالة الجبلاوي في المينا يا سيف.. المهم، أنت عامل إيه؟”
سيف ما ردش، بص للسلسلة تاني وقال: “دفنتوها فين؟”
طارق ارتبك للحظة، بس رد بسرعة: “في المقابر القديمة يا سيف.. زي ما أمرت. مفيش أثر لأي حاجة.”
سيف قام وقف ببطء، ومشي ناحية طارق. طوله الهيبة وحضوره المرعب كانوا يخلوا أي حد يترعب. وقف قدام طارق مباشرة، وبص في عينيه بقوة: “سمر كانت بتكره الدم يا طارق.. كانت بتترعب من صوت السلاح. السلسلة دي كانت محطوطة على رقبتها، لما مسكتها النهاردة.. حسيت إن فيه حاجة غلط.”
طارق بلع ريقه بالعافية: “غلط إيه يا سيف؟ الأدلة كانت واضحة.. تليفونها، الورق..”
“أنا ما بتكلمش عن الأدلة!” سيف صرخ بصوت هز الفيلا كلها، ومسك طارق من لياقة جاكيته بعنف: “أنا بتكلم عن نظرتها! النظرة اللي في عينها مكانتش نظرة خاينة اتكشفت.. كانت نظرة مظلوم بيتذبح! أنت متأكد إن الورق ده كان في درجها هي؟ متأكد إن المكالمات دي طلعت من تحت ايدها؟”
طارق حاول يحافظ على ثباته: “أنا شوفت الورق بنفسي يا سيف! أنت بتشك فيا أنا؟ أنا اللي واقف جنبك بعد ما حسن مات!”
سيف سابه بعنف، ولف ظهره وهو بيمسح على وشه بإيده: “غور من وشي دلوقتي يا طارق.. سيبني لوحدي.”
طارق خرج بسرعة، وعينيه فيها قلق قاتل. كان عارف إن سيف لو بدأ يشك، الخيط هيروح له، وكان لازم يتأكد إن سمر مادتش لأي حد فرصة يتكلم.
تمر أسبوعين..
في البيت القديم في الجيزة، سمر كانت بدأت تسترد جزء من عافيتها الجسدية، بس روحها كانت متكسرة. الجرح اللي في بطنها التأم، بس جرح قلبها كان بيتقيح. عم صابر كان بياخد باله منها، وجاب لها دكتورة من طرفه عالجتها من غير ما تسجل أي بيانات.
“يا بنتي.. السكوت ده مش هيحل حاجة.” عم صابر قالها وهو بيحط كباية الشاي قدامها على التربيزة: “سيف دلوقتي قاعد في ناره، وطارق بيوسع في شغله وبياخد مكان حسن ومكانك في كل حاجة.”
سمر بصت من الشباك على الغيط الأخضر الممتد قدامها: “سيف هان عليا يرفع عليا السلاح يا عم صابر.. سيف صدق إني خاينة من غير ما يسمعني.”
“سيف كان أعمى بالغضب يا سمر.” عم صابر اتنهد: “حسن بالنسبة له مكنش مجرد صاحب، ده كان ضهره. وطارق استغل اللحظة دي ولعب بالبيضة والحجر. بس أنتِ لازم تاخدي حقك.. وحق ابنك اللي مات في بطنك.”
سمر حطت ايدها على بطنها، وعينيها تحولت من الضعف للصلابة. الفكرة دي بالذات، فكرة إن طارق هو اللي حرمها من طفلها وهو اللي خلى سيف يبقى قاطع طريق، شعلت جواها نار مش هتهدا غير لما تاخد حقها.
“أنا مش هرجع لسيف يا عم صابر..” سمر قالت بصوت متزن وبارد لأول مرة: “أنا هرجع عشان أنهي طارق.. وسيف ساعتها خليه يعيش مع عذابه لما يعرف إنه هو اللي قتل ابنه بيديه.”
بدأت سمر تتواصل مع واحد من السرية القديمة اللي كانوا بيشتغلوا مع أبوها زمان قبل ما يموت، راجل اسمه “البرنس”، كان خبير في التكنولوجيا وفي تفكيك شفرات المكالمات. البرنس كان مدين لأبو سمر بحياته، ولما عرف اللي حصل، وافق يساعدها من غير ما يتردد.
قدر البرنس واخترق تليفون طارق، وبدأوا يسجلوا كل مكالماته. وبعد أيام من المراقبة، لقوا الكنز: تسجيل بصوت طارق وهو بيكلم “الجبلاوي” بنفسه، وبيفق معاه على التسليمة الجاية اللي هيحضرها سيف، وكانوا مرتبين يخلصوا من سيف فيها خالص عشان طارق يمسك السوق كله.
في التسجيل، طارق كان بيضحك وبيقول للجبلاوي: “سيف خلاص مغفل.. فاكر إن البت هي اللي بلغت عن حسن، ودلوقتي قفلنا ملفها وهي تحت التراب. التسليمة الجاية في مخازن العين السخنة هتكون نهايته، والشرطة هتوصل في الوقت المضبوط عشان تمسح الأثر.”
سمر وهي بتسمع التسجيل، ايدها كانت بترتعش من كتر الغضب. الراجل ده مكانش مجرد خاين، ده كان مصيبة متحركة.
“التسليمة بكرة بليل يا أبلة سمر.” البرنس قال وهو بيقفل اللابتوب: “هنعمل إيه؟ نبعت التسجيل ده لسيف؟”
سمر بصت له بثبات: “لا.. لو بعتنا التسجيل، سيف هيقتل طارق في ساعتها، وطارق هيطلع بره الملعوبة كأنه ضحية جديدة. أنا عايزة سيف يشوف ويسمع بعينيه في قلب الموقف.. عايزة المواجهة تبقى لايف.”
ليلة التسليمة.. في مخازن المهجورة بالعين السخنة.
الجو كان هس هس، وصوت أمواج البحر البعيدة كان يترد في المكان. العربيات الجيب المصفحة كانت واقفة في شريط منتظم، ورجالة سيف مسلحين كعادتهم واقفين في كل زاوية.
سيف كان واقف لابسة جاكيت جلد أسود، ماسك سجارة وبينفخ دخانها في الهواء الساقع. وشه كان أشد قساوة من الأول، عيونه بقوا فاضيين من أي رحمة. جنب منه كان واقف طارق، عمال يبص في ساعته بقلق مستني وصول رجالة الجبلاوي.. ومستني الشرطة اللي بلّغها عشان تقتحم المكان وتنهي سيف.
فجأة، كشافات عربية واحدة نورت المكان من بعيد. العربية قربت ببطء لحد ما وقفت على بعد خطوتين من سيف وطارق.
سيف حط ايده على جراب مسدسه: “مين ده يا طارق؟ مش دي عربية الجبلاوي.”
باب العربية اتفتح. ونزلت منه واحدة لابسة عباية سودا وطرحة مغطية نص وشها. خطت خطواتها ببطء وثبات فوق التراب، وكل ما تقرب، النور كان بيكشف ملامحها.
طارق أول ما شافها، عيونه اتسعت برعب، والمسدس وقع من ايده على الأرض: “سـ.. سمر؟!”
سيف اتسمر مكانه. السجارة وقعت من بين صوابعه. حاسس إن العالم حاب يلف بيه، وإن العقل طار منه. الرؤية قدامه اتلخبطت: “سمر؟ أنتِ.. أنتِ عفريت ولا إيه؟”
سمر نزلت الطرحة من على وشها، وبصت لسيف بنظرة كبرياء ووجع يهد جبال: “أنا الحقيقة اللي أنت دفنتها يا سيف.. أنا اللي أنت سبتها تنزف في الزقاق وخنتها من غير ما تسمعها.”
سيف خطى خطوة ناحيتها وهو مش مصدق، ايده كانت بترتعش: “أنتِ.. أنتِ عايشة؟ إزاي؟”
“عايشة عشان أوريك الغشاوة اللي كانت على عينك!” سمر صرخت، وطلعت من جيبها سماعة سبيكر صغيرة، وداست على زرار التشغيل.
صوت طارق رن في المكان كله، ماليا مخازن العين السخنة: “سيف خلاص مغفل.. فاكر إن البت هي اللي بلغت عن حسن، ودلوقتي قفلنا ملفها وهي تحت التراب. التسليمة الجاية في مخازن العين السخنة هتكون نهايته…”
السكوت اللي ساد بعد الصوت كان يرعب.
سيف لف رقبته ببطء شديد ناحية طارق. الملامح اللي كانت على وش سيف في اللحظة دي مكانتش ملامح غضب.. كانت ملامح شيطان اتصحى من النوم.
طارق بدأ يرجع لورا بخوف قاتل، وهو بيرفع ايديه: “سيف.. استنى.. والله الصوت ده متفبرك! ده الذكاء الاصطناعي! صدقني يا سيف!”
“فبركة؟” سمر ضحكت بمرارة: “والورق اللي حطيته في درجي كان فبركة؟ والسرنجة اللي جيتلي بيها المستشفى عشان تخلص عليا بعد ما طارق نجدني كانت فبركة؟ والطفل.. ابن سيف اللي نزل مني في الشارع بسببك وبسببه.. ده كمان كان فبركة؟!”
الكلمة دي.. “ابن سيف”.. نزلت على سيف زي قنبلة دمرت كل بنيانه.
سيف بص لسمر بصدمة تموت: “ابني؟ أنتِ.. أنتِ كنتِ حامل؟”
سمر هزت رأسها والدموع بتنزل من عينها بثبات: “كنت حامل في ابنك اللي كنت جاية أفرحك بيه اليوم ده.. بس أنت اديتني رصاصة الشك، وطارق كمل عليا.”
سيف صرخ صرخة هازت المكان، وفي ثانية واحدة كان ساحب مسدسه ورافعها على دماغ طارق. طارق وقع على ركبته وهو بيصرخ وبيبكي: “ابوس ايدك يا سيف! أنا أخوك! أنا ابن عمك! الشيطان غواني!”
“حسن كان أخويا..” سيف قالها بصوت هادي وميت، صوت أبرد من التلج: “وابني اللي مات كان حته مني.. وأنت غدرت بالاتنين.”
قبل ما سيف يضغط على الزناد، صوت سرينات الشرطة بدأ يرن في كل حتة، والكشافات الزرقا والحمرا غطت المكان كله من برة. الجبلاوي كان بلّغ خلاص، والشرطة محاصرة المخزن من كل جهة.
“ارمِ السلاح يا سيف! المكان محاصر!” صوت المكبرات الصوتية يرن من برة.
طارق استغل اللحظة وضحك بحستريا: “الشرطة برة يا سيف! لو قتلتني هتروح في داهية! اللعبة خلصت!”
سيف بص لطارق، وبعدين بص لسمر اللي كانت واقفة تبص له بعينين مليانة عتاب ووجع ومشاعر مالهاش حصر.
سيف حط المسدس في وسطه، وقرب من سمر بخطوات بطيئة. وقف قدامها، والدموع لأول مرة في حياته تنزل من عينيه: “سامحيني يا سمر.. أنا قتلت نفسي اليوم اللي سبتك فيه.”
سمر بصت له وقالت ببرود: “المسامحة دي عند ربنا يا سيف.. أنا جيت هنا بس عشان أوريك الحقيقة.. وعشان أقولك إن سمر القديمة ماتت في الشارع ده.”
سيف لف لرجالتوه وزعق بصوت هز المكان: “سلموا نفسكم للشرطة! ومحدش يضرب طلقة واحدة!”
وبعدين مسك طارق من قفاه بعنف وشده معاه، وخرج بيه لبرة تحت كشافات الشرطة. سيف رفع ايده ورا رأسه وهو ماسك طارق، وسلم نفسه وضحي بكل إمبراطوريته وشغله اللي بناه، بس عشان يدخل السجن وطارق معاه في نفس الزنزانة.. وياخد حقه منه كل يوم جوة السجن.
سمر كانت واقفة برة، بتشوف عربيات الشرطة وهي بتاخد سيف وطارق. سيف وهو بتركب عربية البوكس، لف وشه وبص لسمر آخر بصة.. بصة انكسار وحسرة مش هتتفارق عقله طول عمره.
العربيات مشيت، وسابوا سمر واقفة لوحدها تحت المطر اللي بدأ ينزل تاني.
سمر مسحت دموعها، وعدلت شالها على كتفها. كانت عارفة إن الصفحة دي اتطوت للأبد. مشيت ناحية عربيتها، وفتحت الباب وقعدت.
وهي بتدور العربية، تليفونها رن برقم غريب مش مسجل.
سمر فتحت الخط وحطت التليفون على ودنها ببطء: “ألو؟”
صوت غريب وبارد، بس متزن وجاد جاء لها من الناحية التانية: “مساء الخير يا أنسة سمر.. الجبلاوي بيسلم عليكي، وبيقولك إن اللعبة مخلصتش بقدوم الشرطة.. سيف اتسجن، بس الشغل الكبير لسه بادئ، وأنتِ بقيتي الطرف الوحيد اللي يعرف أسرار الخزنة.”
سمر اتجمدت مكانها، عيونها اتسعت وهي بتسمع الصوت اللي كمل ببرود: “قدامك 24 ساعة ترجعي الورق اللي سيف شاله عندك.. وإلا اللي حصل لابنك.. هيحصل لكل حد باضلِك في الدنيا دي.”
الخط اتقفل.. وسمر فضلت ماسكة التليفون وايدها بترتعش، ونور الشاشة بيعكس نظرة الرعب والذهول اللي ظهرت في عينها من جديد.صوت الهوا برة العربية كان بيدور زي الصفارة، والنفس خرج من سمر كأنه دخان في الساقعة. التليفون كان لسه في ايدها، والشاشة بتطفي وتنور بصوت التكة الثواني اللي بتمر.
24 ساعة.
الجبلاوي فاكر إنها الضلع الضعيف، الفريسة السهلة اللي سيف سابها وراه بعد ما الإمبراطورية وقعت. بس الجبلاوي ميعرفش إن الست اللي اتذبحت واتسرق منها ضناها في الشارع، مابقاش عندها حاجة تخاف تضيعها.
سمر حطت التليفون على الكرسي اللي جنبها، وداس بنزين. العربية طلعت تجري على طريق السخنة السريع، والأوار العالية بتاعت عربيات النقل كانت بتكسر الضلمة كل شوية.
“خزنة سيف…” همست لنفسها وهي بتبص في المراية.
سيف مكنش بيثق في حد، ولا حتى في طارق. وقبل المشاكل دي كلها بكسر شهر، لما كانوا لسه في عز الهدوء، سيف ساب معاطفها القديمة في الشقة الصيفية في العجمي، وحط في جيب واحد منهم مفتاح صغير وشريحة مشفرة، وقالها: “دي أمانتك يا سمر.. لو حصلتلي حاجة في يوم من الأيام، الشريحة دي تشتري بيها حياتك أو تدفني بيها الكل.”
مكانتش فاهمة قصده وقتها، بس النهاردة الصورة اكتملت. الشريحة دي مش بس فيها أسرار الشغل، دي فيها أسماء الحيتان الكبار اللي الجبلاوي شغال لحسابهم.. واللي لو اتكشفت، الجبلاوي ونظامه كله يروحوا في وراء الشمس.
وصلت سمر على الجيزة قبل الفجر بساعة. نزلت عند بيت عم صابر القديم، كانت الأضواء مطفية والمكان هادي زيادة عن اللزوم. أول ما حطت ايدها على أكرة الباب، لقت الباب موارب.
قلبتها وقعت في رجليها.
زقت الباب ببطء، ونور الشارع الضعيف دخل الصالة. عم صابر كان قاعد على الكرسي الخشب، وشه للأرض، وايديه مربوطة لورا.
“عم صابر!” سمر جرت عليه بلهفة، بس أول ما قربت ورفعت وشه، شافت الدم نازل من دماغه، ونفسه كان طالع بالعافية.
فتح عينيه بصعوبة، وشفايفه كانت بترتعش: “سمر.. يا بنتي.. جوم هنا.. دوروا على حاجة.. سألوا عنك..”
سمر دموعها نزلت وهي بتحاول تفك الحبل: “عملوا فيك إيه يا راجل يا طيب؟ مين اللي جه؟”
“رجالة الجبلاوي..” عم صابر قال بصوت متقطع: “أنا ما جولتِش حاجة.. بس هما عارفين إنك راجعة.. اطلعي من هنا يا سمر.. اطلعي واجري..”
سمر مسكت ايده بقوة: “مش هسيبك يا عم صابر، هطلب الإسعاف دلوقتي.”
“مفيش وقت!” صرخ بصوت ضعيف بس قاطع: “لو الإسعاف جت، هتوصل معاهم رجالة الجبلاوي! سيف في السجن يابنتي، وطارق هناك معاه، بس الحيتان الكبار طلقوا كلابهم برة. اطلعي على العجمي.. هاتي الحاجة.. وانقذي نفسك!”
عم صابر أغمى عليه من التعب والنزيف. سمر جرت على التليفون الأرضي، طلبت الإسعاف وسابت عنوان البيت بالتفصيل من غير ما تقول اسمها، وخرجت تجري من الباب الخلفي قبل ما حد يلمحها.
العجمي.. الساعة 7 الصبح.
الشرق كان بدأ ينور بنور برتقالي باهت، وصوت البحر كان عالي ومجنون. سمر كانت لابسة نضارة سودا وزعبوط العباية مغطي رأسها. مشيت بين الشوارع الجانبية لحد ما وصلت للفيلا الصغيرة اللي كانت بتجمعها بسيف في الإجازات.
المكان كان مهجور ومقفول بالجنزير، بس سمر كانت حافظة المدخل السري من الجنينة الوراانية. دخلت الشقة، ريحة الرطوبة والبحر كانت مالية المكان. جرت على الدولاب القديم في أوضة النوم، وسحبت الجاكت الجلد التقيل بتاعها.
فتحت الجيب الداخلي.. صوابعها لمست المفتاح والشريحة الصغيرة الملفوفة في بلاستيك.
“أخيراً…”
فجأة، صوت حركة برة في الصالة كسر الهدوء.
سمر اتجمدت مكانها. مسكت المفتاح والشريحة وقفت ورا الباب.
صوت خطوات جزمة تقيلة بتمشي على السيراميك، وصوت سحب أجزاء مسدس بارد يقطع النفس.
“عارف إنك جوة يا سمر..” صوت الراجل اللي كلمها في التليفون رن في الصالة، صوت جاف ومفيش فيه أي رحمة: “الجبلاوي قاللي إنك ذكية، بس مش للدرجادي. فاكرة إن العجمي مستخبي؟ أحنا مراقبين كل أملاك سيف من لحظة ما اتسجن.”
سمر كانت بتتنفس من مناخيرها ببطء، عينها جت على فازة رخام تقيلة محطوطة على الكومودينو جنب الباب.
الراجل قرب من أوضة النوم، وبط طرف المسدس زق الباب بالراحة.
أول ما الباب اتفتح ونزل خطوته جوة الأوضة، سمر هجمت عليه بالفازة بكل ما فيها من قوة وعنف وغل.
الضربة جت في وشه مباشرة. الراجل اتقصع لورا وهو بيصرخ، والمسدس طار من ايده على الأرض. سمر ما استنتش، زقته بكل قوتها وقع على السرير، وجرت على المسدس شالته من على الأرض، ورفعت السلاح في وشه وهي ايدها بتترتعش بس عينها مليانة نية قتل.
الراجل كان ماسك مناخيره اللي بتنزف، وبص لها بذهول: “أنتِ.. أنتِ فاكرة نفسك هتعرفي تطلعي من الملعوبة دي؟”
“اقفل بقك!” سمر صرخت بصوت هز الأوضة، والزناد كان تحت صباعها: “انزل على ركبتك واطلع برة الفيلا قدامي!”
الراجل قام ببطء وهو رافع ايديه، بيضحك بمرارة: “حتى لو قتلتيني يا سمر، الجبلاوي زانق سيف جوة السجن. عارفة التخشيبة اللي هو فيها دلوقتي؟ طارق مش لوحده هناك.. رجالة الجبلاوي ماليين العنبر. لو الشريحة دي ما وصلتلكش خلال ساعتين.. سيف يتذبح جوة السجن وتطلع حادثة تصفية حسابات بين مساجين.”
الكلمة نزلت على سمر زي المية الساقعة.
سيف.. رغم كل اللي عمله، رغم الرصاصة اللي اترفت، رغم الجنين اللي راح.. سيف هو الوحيد اللي عارف الحقيقة، والوحيد اللي دفع تمن غباوه.
“كلم الجبلاوي..” سمر قالت بصوت متزن وبارد زي السم.
الراجل اتفاجئ: “إيه؟”
“طلع تليفونك.. وكلم الجبلاوي حالاً.”
الراجل طلع التليفون بايد بترتعش، وطلب الرقم وفتح السبيكر.
صوت الجبلاوي الفخم العالي جاء من السماعة: “عملت إيه يا عاطف؟ جبت الشريحة؟”
سمر قربت من التليفون، وقالت بنبرة حادة وواثقة ترهب: “الكتكوت بتاعك تحت جزمتي يا جبلاوي.. والشريحة معايا.”
السكوت ساد من ناحية الجبلاوي لثواني، وبعدين ضحك بصوت عالي: “يا هلا بمرمورة سيف.. صوتك كبر يا بنت.”
“الشريحة دي فيها أسماء عمليات المينا، وأرقام حسابات دبي، والتسجيلات اللي بينك وبين طارق عشان تصفوا سيف وحسن.” سمر قالت بجمود: “لو سيف جراله خدش واحد جوة السجن، أو لو عم صابر جرى له حاجة.. الملفات دي كلها هتوصل للنيابة العامة وللصحافة في نفس الدقيقة. البرنس جاهز يرفع كل حاجة على النت.”
الجبلاوي نبرة ضحكته اختفت تماماً، وصوته بقى واطي ومرعب: “أنتِ بتلعبي بالموت يا سمر.”
“أنا موتّ خلاص يا جبلاوي!” سمر صرخت: “أنا مابقاش عندي حاجة أخسرها! ابنك وطارق وسيف والنعيم اللي كنتوا عايشين فيه.. أنا مستعدة أهد المعبد على اللي فيه! التسليمة هتكون النهاردة الساعة 12 بالليل في الملاحة القديمة في الإسكندرية.. قدام الشريحة، سيف يطلع برة عنبر التصفية ويتحط في أمان، وطارق ينزل الورشة قدام عين سيف.”
الجبلاوي اتنهد بصوت ثقيل: “ولو رفضت؟”
“لو رفضت.. هتشوف صورتك وصوتك على كل شاشات مصر بكرة الصبح.”
سمر قفلت الخط في وشه، وبصت للراجل عاطف اللي كان واقف مرعوب. ضربته بظهر المسدس على رأسه وقع فاقد الوعي.
سحبت مفاتيح عربية عاطف، وخرجت من الفيلا وهي ماسكة الشريحة في ايدها.
الساعة 11:30 بالليل.. الملاحة القديمة، الإسكندرية.
المكان كان عبارة عن أرض ملاحة مهجورة، ريحة الملح والزنخ مالية الجو، والمية المالح بتعكس نور القمر الفضي.
عربية الجبلاوي السودا الفخمة كانت واقفة، وحواليها أربع عربيات جيب مليانة رجالة مسلحين.
سمر نزلت من عربيتها لوحدها. كانت لابسة جاكت أسود، وايدها في جيبها ماسكة الفلاشة اللي نسخت عليها الشريحة.
الجبلاوي نزل من العربية. راجل في الستينات من عمره، شعره أبيض، ووشه فيه ندبة قديمة، ماسك عصايا في ايده وبيمشي بثبات.
“شجاعة.. مش هأنكر.” الجبلاوي قال وهو بيقرب منها: “سيف كان محظوظ بيكي يا سمر.. بس للأسف، الغضب كان أعمى من الحب.”
“هات التليفون..” سمر قالت ببرود: “عايزة أسمع صوت سيف وأتأكد إنه في أمان قبل ما تاخد الشريحة.”
الجبلاوي أشر لواحد من رجالته، طلع تليفون وطلب رقم جوة السجن، واداه لسمر.
سمر حطت التليفون على ودنها.
صوت سيف جاء، بس مكانش صوت الراجل القوي القاسي بتاع زمان.. كان صوت راجل مكسور، مجهد، وبينهج: “سمر؟.. أنتِ إيه اللي بيجيبك هنا؟ اطلعي برة اللعبة دي يا سمر! الجبلاوي هيقتلك!”
“سيف..” سمر قالت بنبرة هادية بس مليانة شجن: “أنت كويّس؟”
“أنا أكلت ضرب لما شبعت جوة..” سيف قال بصوت مخنوق: “طرق اتقطع جوة العنبر النهاردة يا سمر.. خد حقه وحق حسام وحق ابننا.. بس أنتِ مالكيش دعوة بالناس دي! هاتي الشريحة واجري!”
سمر اتنهدت وقالت بصوت واطي: “أنا عملت اللي عليّا يا سيف.. حق ابننا رجع، والحقيقة بانت.”
قفلت السكة، ورمت التليفون للجبلاوي.
طلعت الشريحة من جيبها ورفعتها في الهواء: “الشريحة اهي.. سيبني أمشي.”
الجبلاوي ابتسم ابتسامة صفرا، ورفع ايده لرجاله: “أنا اديتك كلمتي إن سيف هيفضل عايش جوة السجن.. بس أنا ما وعدتكِش إنك أنتِ هتخرجي من الملاحة دي حية.”
في اللحظة دي، رجالة الجبلاوي رفعوا سلاحهم كلهم ووجهوه ناحية سمر.
سمر ما خافتش.. بل بالعكس، ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وطلعت ريموت صغير من جيبها التاني.
“أنا عارفة إنك مالكش أمان يا جبلاوي..” سمر قالت بثبات يرعب: “عشان كده أنا مابعتّش الملفات للصحافة.. أنا بعتّ موقعنا ده حالا للعمليات الخاصة بالتلفزيون البث المباشر ولرئيس مباحث الإسكندرية.. والشريحة دي مجرد بلاستيك فاضي.. الشريحة الأصلية مع النيابة العامة من ساعة كاملة.”
أصوات سرينات الحاكم والشرطة بدأت ترن من كل الاتجاهات، أضواء العربيات المصفحة قطعت ضلمة الملاحة، وصوت طيارات الهليكوبتر ظهر في السماء فوق رأسهم مباشرة.
“المكان محاصر بالكامل! حطوا السلاح على الأرض واخرجوا بايديكم مرفوعة!”
الجبلاوي عيونه اتسعت برعب، والعصايا وقعت من ايده: “أنتِ عملتي إيه يا مجنونة؟!”
الرجالة بدأوا يجرو ويرموا السلاح، والشرطة اقتحمت المكان في ثواني، وألقت القبض على الجبلاوي وكل شبكته في أكبر عملية ضبط لسوق السلاح في تاريخ الإسكندرية.
سمر كانت واقفة في وسط المعمعة دي كلها، الهوا المالح بيخبط في وشها، والضوء الأبيض بتاع الكشافات غمرها.
بعد ستة أشهر..
أمام باب سجن طرة.
الشمس كانت طالعة دافية في يوم شتا هادي. باب السجن الصاج الكبير اتفتح، وخرج منه سيف.
كان خاسس بكتير، دقنه كبرت وفيها شعر أبيض، ولابسة بدلة السجن الزرقا القديمة، بس عينيه كانت صافية لأول مرة من سنين. أخد إخلاء سبيل بعد ما المحكمة أثبتت إن قضيته الأولى كانت ملعوبة، وحُكم عليه بفترة قصيرة عن الشغل القديم وانتهت.
سيف وقف قدام باب السجن، وبص حواليه.
على بعد خطوتين، كانت واقفة عربية صغيرة، وسندة عليها سمر.
كانت لابسة فستان بسيط، وشعرها يتطاير مع الهوا، عيونها بتلمع بس مفيش فيها أي كره ولا أي حقد.. كان فيها بس سلام صامت.
سيف قرب منها بخطوات بطيئة، كأنه خايف يلمسها تطلع حلم وتختفي. وقف قدامها، ونزل رسه للأرض: “سمر.. أنا مش عارف أقولك إيه.. ولا عارف إزاي أبص في عينيكي.”
سمر بصت له بالراحة، وقالت بصوت هادي زي نسيم البحر: “متجولش حاجة يا سيف.. اللي فات مات، والدم اللي نزل مش هيرجع تاني.”
سيف رفع عينيه وبص لها بلهفة: “هنرجع؟ هنبدأ من جديد؟”
سمر ابتسمت ابتسامة حزينة، وهزت رأسها بنفي: “لا يا سيف.. أنا جيت هنا بس عشان أتاكد إنك خرجت بالسلامة، وعشان أقفل الصفحة دي للآخر.”
سيف حاسس بكتمة في صدره: “يعني إيه؟”
“يعني كل واحد فينا لازم يدور على روحه اللي ضاعت..” سمر فتحت باب عربيتها، وقبل ما تركب، لفت له وقالت: “أنا سامحتك يا سيف عشان أعرف أعيش.. بس أنا مش هقدر أنسى.”
ركبت سمر العربية، ودورنت الموتور، وطلعت بيها في طريق القناطر المفتوح، وسابت سيف واقف قدام باب السجن، بيتفرج على عربيتها وهي بتبعد وتختفي في أفق الطريق.
سيف اتنهد نفس طويل، وسحب سجارته الأخيرة، ونظر للسماء.
وفي اللحظة دي، تليفون سمر اللي على الكرسي جنبها رن بنغمة رسالة جديدة..
فتحت الشاشة وهي بتسوق، ورسالة من رقم مجهول ظهرت:
“الجبلاوي مات جوة مستشفى السجن النهاردة.. بس الملف اللي بعتيه للنيابة، فتح باب خزنة أخت الجبلاوي في دبي.. وهي بتسأل عنك بالاسم يا سمر.”
سمر بصت للرسالة في المراية، وابتسامة غامضة اترسمت على شفايفها وهي بتزود بنزين وتختفي بين خطوط الطريق.الرسالة فضلت منورة على شاشة التليفون، وصوت الموتور كان النغم الوحيد في طريق القناطر الهادي. سمر مكانتش خايفة؛ الخوف اتدفن اليوم اللي فقدت فيه طفلها في زقاق مضلِم.
قفلت التليفون ورمته في الكرسي اللي جنبها، وركزت في الطريق. كانت عارفة إنها لو فضلت تهرب، الدائرة مش هتتقفل، والحيتان الكبار هيعوزوا يمسحوا أي خيط يوصلهم بالماضي.
بعد ساعتين، كانت سمر واقفة قدام العمارة القديمة في وسط البلد، العمارة اللي فيها مكتب “البرنس”. طلعت السلالم الرخام المتهالكة ودخلت الشقة. البرنس كان قاعد ورا شاشاته، أول ما شافها قام وقف بذهول: “سمر؟ أنتِ لسه في مصر؟ أنا فاكرك سافرتِ!”
سمر قعدت بثبات وقالت ببرود: “أخت الجبلاوي فتحت ملف دبي.. وعايزة توصل لي.”
البرنس بلع ريقه وقال: “الست دي اسمها ‘نجوى الجبلاوي’.. ألعن من أخوها بكتير. دي اللي ماسكة الإمبراطورية المالية كلها من دبي، ولو حطتك في دماغها مش هتهدا.”
“عشان كده لازم أسبق بخطوة،” سمر ردت بثبات، “الشريحة اللي كانت مع سيف كان فيها شفرة الحسابات المغلقة.. نجوى مش عايزة تقتلني يا برنس، نجوى محتاجاني عشان الشفرة دي هي الوحيدة اللي تفتح لها ملايين الجبلاوي المجمدة.”
في نفس الوقت، سيف مكانش قادر يسيب سمر تواجه المصير ده لوحدها. خرج من السجن ومعهوش غير هدمته وكرامته المكسورة، بس خبر موت الجبلاوي والتحركات الجديدة لوصلت له عن طريق معارفه القدام خلت الدم يغلي في عروقه. كان عارف إن سمر في خطر، وإن المرة دي الخطر أشد وألعن.
سيف وصل للبرنس بعد ما تتبع خيوط قديمة، وفتح باب الشقة فجأة. سمر اتفاجئت بيه واقف قدامها، شكله متغير.. الضعف اختفى وحل محله إصرار راجل معندوش حاجة يخسرها غير حبيبته.
“أنا مش هسيبك لوحدك المرة دي يا سمر،” سيف قالها بصوت قاطع، “لو الموت جاي، يبقى ييجي ليا أنا الأول.”
سمر بصت له بلحظة صمت، وبعدين هزت رأسها: “الشغل المرة دي مش بالسلاح يا سيف.. الشغل هنا،” وشاورت على دماغها.
اتفقوا الثلاثة على خطة واحدة؛ استدراج نجوى الجبلاوي لمصر بنفسها. البرنس بعت شفرة وهمية ومفتوحة جزئياً لحسابات دبي من تليفون سمر، مع رسالة واحدة: “عايزة بقية الشفرة؟ تقابليني في قصر الجبلاوي القديم في الفيوم.. لوحدك.”
الطعم كان مغري جداً بالنسبة لنجوى، ملايين دولار كانت محبوسة ومستنية الزرار اللي يفكها.
ليلة المواجهة.. قصر الجبلاوي في الفيوم.
الهدوء في الصحراء كان يرعب، والقصر المهجور كان زي الشبح وسط النخيل. نجوى الجبلاوي وصلت بحراسة مشددة، ست في الخمسينات، ملامحها حديدية ونظراتها أشر من أخوها. دخلت الصالة الكبيرة وقالت بصوت عالي: “اطلعي يا سمر.. الملايين مستنية، وأنا مش فاضية للعب العيال.”
سمر خرجت من الضلمة، كانت لابسة أسود في أسود، وفي ايدها الفلاشة الأصلية.
“فين بقية الشفرة؟” نجوى سألت وهي بتشاور لرجالتها يحرصوا المكان.
“الشفرة اهي،” سمر رفعت الفلاشة، “بس مقابل إنك تسحبي كل كلابك من مصر، ونسينانا تماماً.. أنا وسيف.”
نجوى ضحكت بجمود: “أنتِ فاكرة نفسك في موقف تفاوض؟ هاتي الفلاشة وهنسيكي الدنيا كلها!”
نجوى شاورت لراجل من رجالتها عشان يضرب، بس في اللحظة دي، سيف طلع من ورا العواميد وهجم على الراجل وسحب منه السلاح في حركة سريعة، وصوت الرصاص رن في الصالة.
المعركة كانت سريعة وقاسية. سيف استخدم كل خبرته القديمة في القتال عشان يحمي سمر، والبرنس كان رابط أجهزة القصر الداخلية بسيرفرات النيابة العامة.
سمر دازت على زرار في تليفونها: “كل كلمة وكل حركة بتتنقل لايف للشرطة يا نجوى.. القصر ده محاصر من عشر دقايق!”
أصوات ضرب النار برة وسرينات الأمن المركزي هزت جدران القصر القديم. نجوى أدركت إنها وقعت في الفخ، ورجالتها بدأوا يترموا على الأرض ويسلموا سلاحهم.
سيف وقف قدام نجوى وهو بينهج، والمسدس في ايده، بس المرة دي مكنش أعمى بالغضب.. كان ثابت وواعي. سلمها للشرطة أول ما اقتحموا المكان.
لما الهدوء رجع للمكان، والشرطة أخدت نجوى وشبكتها بالكامل، سيف وسمر كانوا واقفين برة القصر تحت نور النجوم المترامي في صحراء الفيوم.
سيف بص لسمر، وقال بنبرة مليانة صدق: “الظلام انتهى يا سمر.. الحيتان كلهم وقعوا، والحق رجع.”
سمر بصت للسماء الصافية، وتنفست نفس طويل لأول مرة من سنين.. نفس مفيش فيه خوف ولا نزيف ولا كوابيس.
“كده كل حاجة خلصت صح يا سيف؟”
سيف قرب منها، ومسك ايدها ببطء، والمرة دي سمر ما سحبتش ايدها: “كده البداية الحقيقية هي اللي بدأت يا سمر.. بعيد عن السلاح، وبعيد عن الدم.”
سمر ابتسمت ابتسامة صافية طال انتظارها، ومشيوا سوا ناحية العربية، والشرق كان بدأ ينور بأول خيوط شمس يوم جديد.. يوم مفيش فيه غير الهدوء والسلام.




