العزومة حكايات رومانى مكرم. الاخير

توقفتُ عما في يدي، ونظرتُ إليها بهدوء. كان يمكن لهذه الكلمة البسيطة “الكراكيب” أن تشعل أزمة جديدة لو تعاملتُ معها بانفعال، لكنني أدركت أن نجوى تختبر حدودي المرة الأخرى، لترى هل التزامي بالهدوء نابع من ضعف أم من عقلانية.

قلت لها بابتسامة متزنة وصوت خفيض كي لا أفسد راحة الجدة: “الثلاجة مساحتها واسعة وتسع أكلنا كلنا يا نجوى. وأكل ولادي مش كراكيب، دي فاكهة وخيرات ربنا زيك زينا بالضبط. إحنا مشاركين في المصاريف وفي المكان بالنصف، ومفيش رف باسم حد. لما تحبي تنظمي حاجة، استأذني أو قوليها بطريقة أبسط من كده، عشان الرحلة تفرّحنا كلنا.”

تسمرت نجوى مكانها وتغيرت ملامح وجهها. لم تكن تتوقع أن أرد في التو واللحظة دون غضب، بل بأصول ووضوح يقطعان الطريق على أي تصعيد. حاولت التدارك وقالت بتلعثم: “أنا ما قصديش حاجة وحشة.. أنا بس بحب النظام.”

رددتُ عليها بينما أضع طبق السلطة على الطاولة: “النظام حلو طبعاً، بس لما يكون بالذوق والعدل بين الكل، بيبقى أحلى.”

خرجتُ إلى الشرفة، وكانت الجدة قد لمحت الموقف من بعيد. أومأت لي برأسها بنظرة رضا تفهم منها كل شيء. لم تعد هناك حاجة لاستدعاء الرجال أو إحداث زوبعة؛ فقد أصبح واضحاً للجميع أن الحسم العاقل يضع حدوداً راقية تمنع أي تجاوز قبل أن يبدأ.

مساء ذلك اليوم، جمعنا إسماعيل وخالد في الحديقة للحديث عن مصاريف الرحلة. عندما طرح إسماعيل الفواتير، لاحظ خالد أن المبالغ أصبحت مرتفعة بغير المعتاد بسبب الطلبات الخاصة التي أضافتها نجوى.

قبل أن ينطق خالد بكلمة، بادر إسماعيل بنفسه وقال بوضوح أمام الجميع: “يا خالد، الفواتير دي فيها حاجات نجوى طلبتها لبيتها وصحتها بشكل خاص، دي مش محسوبة على الحساب المشترك. الحساب المشترك للمصنعيات والأكل الأساسي بس اللي كلينا منه، والفرق ده أنا دفعه من جيبي.”

حاولت نجوى الاعتراض بنظراتها، لكن إسماعيل لم يمنحها الفرصة. كان قد تعلم الدرس جيداً؛ فالعدل والشفافية هما الحصن الوحيد الذي يحمي علاقة الأخوة من السوس الذي قد ينخر فيها بسبب التجاوزات الصغيرة.

مرت بقية أيام المصيف في أجواء من الانضباط والتفاهم الضمني. أدركت نجوى أخيراً أن المحاولات القديمة للسيطرة أو فرض الشروط لن تصمد أمام قوة الحق والأصول. وبدأت، ربما لأول مرة، تتعامل كعضو في العائلة وليس كقيم عليها.
وعندما حزمنا أمتعتنا للعودة إلى القاهرة، كانت أيدي الأطفال متماسكة وهم يودعون البحر، وكانت النظرات بيننا وبين بيت إسماعيل تحمل قدراً جديداً من الاحترام القائم على الحدود الواضحة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *