روحت بيت طليقي

أحمد حس إن نفسه اتسحب منه.
الولد كان
عنده نفس عيونه العسلية بالظبط، ونفس الحركة الغريبة اللي كان بيرفع بيها حاجب واحد لما يستغرب حاجة، وهي حركة ورثها أحمد نفسه عن أبوه.
قالت مريم بصوت متوتر
اسمه يوسف.
الولد رفع دقنه بفخر وصحح لها
عندي ست سنين ونص يا ماما، مش ست سنين بس!
أحمد حس إن قلبه بيدق، وبدأ يحسبها من غير ما يقصد.
تمان سنين من يوم ما انفصل عن مريم، وسبع سنين من يوم الطلاق، والولد عنده ست سنين ونص!
بص لمريم، وصوته خرج بالعافية
وأبوه فين؟
مريم وقفت وعدلت وقفتها.
أحمد، لأ… بلاش!
لكن يوسف كان سبقها بالكلام، وبص لأحمد ببراءة وقال
ماما بتقول إن بابا بيبني عمارات عالية أوي في القاهرة، وإنه في يوم من الأيام هييجي عشان يتعرف عليّا.
الصينية اللي كانت في إيد مريم مالت فجأة، وكوباية العصير وقعت على الأرض، واتناثر العصير على التراب.
أحمد فضل واقف مكانه، مش قادر يبعد عينيه عن وش الطفل.
كل حاجة حواليه اختفت، وما بقاش سامع غير صوت قلبه والسؤال اللي كان بيصرخ جواه هل الولد ده ابنه فعلًا؟ وهل مريم كانت مخبية عنه الحقيقة طول السنين
دي؟
وفجأة، جه صوت ست عجوز من جوه البيت، صوت واطي ومتهدج، وهي بتقول ببطء
هو حبيبي وصل؟ هو ابني جه؟
أحمد اتسمر مكانه.
كان يعرف الصوت ده كويس، لدرجة إنه اتعرف عليه قبل حتى ما يستوعب إزاي ممكن يسمعه في المكان ده.
ده كان صوت أمه!
أمه اللي أخته نجلاء كانت مأكدة له إنها بقالها تلات سنين كاملة في دار رعاية خاصة في سويسرا، وإن حالتها الصحية ما تسمحش لها ترجع مصر.
بص أحمد ناحية باب البيت، ووشه شحب، وهمس لنفسه
أمي؟!

وفي اللحظة دي، فهم إن موضوع الأرض والورقة اللي جه عشان يمضيها مالوش أي أهمية قدام اللي بيحصل.
لأن لو أمه موجودة جوه البيت فعلًا، فده معناه إن فيه سر كبير اتخبّى عنه سنين طويلة… سر ممكن يقلب حياته كلها رأسًا على عقب.
الجزء التاني
مريم قفلت الباب قبل ما أحمد يقدر يدخل.
قالت له بحزم
مش النهارده. لو عايز تعرف الحقيقة، يبقى لازم تسمعني للآخر الأول.
رجعته يقعد تاني تحت شجرة الزيتون، وبدأت تحكي له اللي حصل من سبع سنين.
في الوقت اللي كان فيه أحمد في إسكندرية بيقفل صفقة كبيرة خلت شركته تتحول لواحدة
من أكبر شركات العقارات في مصر، أخته نجلاء اتهمت مريم إنها أخذت عقد دهب قديم كان بتاع والدتهم، الحاجة نوال الشناوي.
والأغرب إن العقد ظهر جوه شنطة مريم نفسها!
في نفس اليوم، وصل محامي العيلة، فؤاد السيوفي، ومعاه أوراق الطلاق، وهددها بشكل واضح.
قال لها إنها لو ما مضتش على الأوراق ومشيت من غير ما تعمل أي مشاكل، العيلة هتستر عليها. إنما لو رفضت، هيقدموا فيها بلاغ، وهتلاقي نفسها بتواجه قضية ممكن تدمّر حياتها.
مريم بصت لأحمد وقالت
فؤاد السيوفي قالي إنك عارف كل حاجة، وإنك إنت بنفسك اللي طلبت منه يخلّص موضوع الطلاق. وقالي إنك مش عايز تشوف وشي تاني.
أحمد وشه اصفر، ورد بسرعة
مستحيل! هو قالي إنك مشيتي بعد ما أخذتِ فلوس من الشركة، وإنك بنفسك قلتي إنك مش عايزة أي حاجة تربطك بيا!
مريم هزت راسها بحزن.
أنا بعت لك جواب ورا جواب شهور طويلة.
أنا ما وصلنيش جواب واحد!
أخدت مريم نفس طويل وقالت
أنا عارفة.
أحمد بص لها باستغراب.
إزاي يعني عارفة؟
لكنها ما ردتش، لأن يوسف خرج من البيت في اللحظة دي، وكان ماسك رسمة
ملونة.
قرب منهم ومد الرسمة لأحمد.
كانت الرسمة
فيها بيت صغير، وشجرة زيتون، وست وطفل، وراجل لابس بدلة واقف قدام عمارة ضخمة.
وفوق الراجل، يوسف كان كاتب بخط طفولي متعرج كلمة بابا.
أحمد مسك الرسمة بإيد بتترعش.
يوسف أشار للراجل اللي في الرسمة وقال بفخر
ماما بتقول إنك بتبني بيوت لعائلات كتير. وأنا نفسي في يوم من الأيام تبني لنا بيت إحنا كمان.
أحمد حاول يتكلم، لكن صوته خانه.
نزل لمستوى يوسف، وبص في عينيه، وحس لأول مرة إن كل الفلوس والنجاح اللي حققهم ما يساووش لحظة واحدة من عمر ابنه اللي ضاعت منه.
دخلت مريم البيت، وبعد شوية رجعت وهي ماسكة ظرف أصفر قديم.
فتحته قدامه.
جواه صورة سونار، وشهادة ميلاد يوسف. الخانة الخاصة باسم الأب كانت فاضية.
قالت مريم
عرفت إني حامل بعد ما مشيت من القاهرة بيومين. رحت مكتب فؤاد السيوفي تلات مرات عشان أوصل لك. وفي آخر مرة، قالي إنك مش عايز تعرف أي حاجة عن الطفل، وإنك لو شوفتني تاني هتعتبرني بتعدى على حياتك.
أحمد ضغط على شفايفه بقوة، وعينيه اتمَلوا بالدموع.
ضيعوا مني ست سنين مع ابني!
مريم بصت له بعتاب وقالت
ما تخليش الموضوع كله
يدور حوالين اللي إنت خسرته يا أحمد. يوسف كمان كبر وهو بيسأل عن أبوه، وكل يوم كان مستني حد عمره ما جه.
الكلام وجعه أكتر من أي اتهام.
لأنها كانت عندها حق.
هو كان بيحسب خسارته هو، لكنه ما فكرش في طفل اتولد وكبر من غير ما يعرف أبوه، ولا في ست اضطرت تواجه الدنيا لوحدها وهي شايلة سر كبير بالشكل ده.
في الليلة دي، أحمد استأجر أوضة في فندق صغير في مرسى مطروح.
أول ما خطيبته رانيا عرفت إنه ما قدرش يخلّص موضوع الإمضا، اتصلت بيه وهي في قمة غضبها.
إنت فين يا أحمد؟! أنا بقالي ساعات مستنياك ترد عليّا، وإنت سايب شغلك وفرحنا وكل حاجة ورايح تقعد عند طليقتك!
حاول يشرح لها إنه اكتشف حاجة تخص ابنه وأمه، لكنها ما ادتلوش فرصة يكمل.
أنا مش فاهمة إنت بتعمل إيه! هتضيّع كل اللي بنيناه عشان واحدة إنت مطلقها من سبع سنين؟!
قبل ما يرد، قفلت الخط في وشه.
وبعدها بدقايق، اتصلت أخته نجلاء.
صوتها كان متوتر بشكل واضح.
إنت فين يا أحمد؟
في مطروح.
سكتت لحظة، وبعدها قالت بسرعة
ارجع القاهرة فورًا. ماما حالتها مش مستقرة في سويسرا، ومش ناقصة
أي مشاكل قديمة ترجع تزعّلها.
أحمد مسك الموبايل بقوة.
إنتِ لسه بتقولي إنها في سويسرا؟!
نجلاء ردت بعصبية
أيوه طبعًا! هو إنت ناوي تصدق أي كلام تسمعه؟ ارجع، وأنا هشرح لك كل حاجة.
أحمد قفل المكالمة من غير ما يرد.
ولأول مرة، بدأ يشك في كل كلمة قالتها أخته خلال السنين اللي فاتت.
تاني يوم الصبح، رجع لبيت مريم.
لما دخل الحوش، لقاها قاعدة قدام ماكينة خياطة قديمة، وبتخيط زي مدرسي أطفال. كان واضح إنها بتشتغل لساعات طويلة عشان تقدر تدفع مصاريف البيت والعلاج.
وعلى الترابيزة جنبها، كانت فيه علبة مليانة إيصالات صيدلية وفواتير علاج، وكلها باسم الحاجة نوال الشناوي.
أحمد مسك واحد من الإيصالات وبص فيه.
إنتِ اللي بتدفعي تمن العلاج كله؟
مريم فضلت مركزة في القماش اللي بتخيطه.
أيوه.
بس إزاي؟ إنتِ بتشتغلي طول اليوم عشان تعيشي، وبتدفعي علاج أمي كمان؟
ردت من غير ما تبص له
لما لقيتها، ما كانش قدامي غير إني أساعدها. ما كنتش هسيبها لوحدها.
أحمد كان لسه هيسألها إزاي أمه وصلت للمكان ده، لكن يوسف ظهر فجأة وشد إيده.
تعالى يا عمو أحمد،
عايز أوريك حاجة!
الكلمة وجعته رغم بساطتها.
عمو
أحمد.
مش بابا.
لسه.
مشي ورا يوسف لحد آخر الحوش، وهناك لقى شجرة ليمون صغيرة مزروعة في الأرض.
يوسف وقف جنبها وقال بحماس
دي شجرة الليمون بتاعتي. أنا بزرعها وبسقيها كل يوم. ماما قالت لي لما تكبر، هتطلع ليمون كتير.
أحمد ابتسم له، ومسح على شعره.
ربنا يخليهالك يا حبيبي.
وفجأة، سمع صوت ست من جوه البيت بتدندن لحن قديم.
لحن هادي، مليان حنان، كان أحمد يعرفه من طفولته.
دي كانت تهويدة أمه اللي كانت بتغنيها له كل ليلة وهو صغير، واللي اخترعتها مخصوص عشان ينام، وما كانش يعرف كلماتها ولا لحنها غيرها.
إيده ارتخت، والمفاتيح اللي كان ماسكها وقعت على الأرض.
مريم سمعت صوت المفاتيح، فخرجت بسرعة.
بصت له، وفهمت إنه عرف.
ما بقاش فيه فايدة من إخفاء الحقيقة أكتر من كده.
مشت ناحية الباب وفتحته.
كانت الحاجة نوال واقفة مستندة على عصاية، جسمها أنحف بكتير من اللي أحمد فاكره، وشعرها بقى أبيض بالكامل، وعلى كتفها بطانية خفيفة.
رفعت عينيها ناحيته، وفضلت باصة له لثواني طويلة.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
اتأخرت أوي يا حبيبي وإنت راجع من المدرسة!
أحمد ما قدرش يستحمل.
وقع على ركبته قدامها،
وانهار في العياط.
فضل ماسك إيديها وبيبوسها، وهي بتمسح على شعره زي ما كانت بتعمل وهو طفل.
طول السنين اللي فاتت، كان بيدفع مبالغ ضخمة كل شهر، وهو فاكر إن أمه بتتلقى أفضل رعاية في دار خاصة بسويسرا.
كان بيقبل تأجيل مكالمات الفيديو، وبيصدق التقارير الطبية اللي بتتبعت له، وبيقتنع بكل مرة أخته تقوله إن وجوده ممكن يسبب لأمه توتر ويزود حالتها سوءًا.
والحقيقة إن أمه كانت عايشة في بيت بسيط، تحت رعاية الست اللي عيلته نفسها طردتها من حياتهم.
رفع أحمد راسه وبص لمريم، وصوته مكسور
أمي وصلت هنا إزاي؟ وإيه اللي حصل لها؟
مريم بصت ناحية أوضة النوم، وقالت
الإجابة موجودة في صندوق. بس لازم تبقى مستعد، لأن أول ما تفتحه، مش هتقدر تصدق أي كلمة قالتها لك أختك تاني.
أحمد بص لها باستغراب.
صندوق إيه؟
مريم سكتت لحظة، وبعدها قالت
الصندوق اللي تحت سريري. وفيه الحقيقة اللي كانوا فاكرين إن محدش هيعرفها أبدًا.
لكنها ما كانتش تعرف إن اللي جوا الصندوق ده مش بس هيكشف سر اختفاء أمه، ده كمان هيكشف حاجة أكبر بكتير من مجرد اتهام.
الجزء التالت والأخير
دخلت مريم أوضة النوم، وبعد شوية خرجت
وهي شايلة صندوق كرتون قديم.
حطته على الترابيزة وفتحته قدام أحمد.
جواه كانت فيه تلاتة وعشرين جواب مرجوع، وإيصالات صيدلية، وصور تحويلات بنكية، وصورة للحاجة نوال وهي قاعدة على كرسي في محطة أتوبيسات في إسكندرية، وملامحها باين عليها التعب والضياع.
مريم بدأت تطلع الأوراق واحدة ورا التانية، وأحمد كان حاسس إن حياته كلها بتتفك قدامه.
مسك أول جواب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *