حكايه عمر ومريم3

صفارات الإنذار دوّت في الحارة كأنها بتعلن قيام القيامة. الضوء الأحمر والأزرق كان بيلعب على الحيطان الطين والوشوش المخطوفة من الرعب. الكلاب بدأت تهوهو بهيستريا، والناس اللي كانت واقفة في البلكونات تتابع خناقة “عمر الجارحي” مع ابن حتتهم “حازم”، جريوا يستخبوا جوه بيوتهم خوفاً من الآتي.
مريم نزلت إيدها بسرعة وبرقبة لفتها ورا ضهرها، دارت المسدس الصغير في جيب بالطوها، عينيها كانت بتلمع بالدموع والخوف وهي بتبص لـ عمر، اللي عينه مانزلتش من عليها ثانية واحدة، كأنه بيحفر ملامحها في ذاكرته من جديد.
العساكر والضباط ملوا الحارة في ثواني، سدوا كل المخارج والمداخل بأسلحتهم.
ومن العربية المرسيدس السودة الفخمة اللي وقفت ورا عربيات الشرطة مباشرة، نزل راجل في أواخر الأربعينات.. شياكته مبالغ فيها، لابس بدلة رمادي غامق، وضحكته باردة ومستفزة لدرجة تخلي الحجر ينطق.. شريف زهران، المنافس الشرس لعمر الجارحي، والراجل اللي مستني غلطة واحدة عشان يهد إمبراطورية الجارحي فوق دماغ صحابها.
شريف مشي بخطوات واثقة، وهو بيعدل نضارته الطبية، وبص لـ عمر بابتسامة خبيثة:
“مساء الخير يا عمر بيه.. مكنتش أعرف إنك بتسيب مكتبك في التجمع عشان تعمل جولات سياحية في السيدة زينب بالليل.. ومعاك كتيبة مسلحة كمان؟”
عمر وشه اتشنج، وعروق رقبته برزت من الغضب، وصوته طلع زي الرعد:
“شريف؟ إيه اللي جابك هنا؟ ومن إمتى وأنت بتتحرك مع البوليس؟”
الضابط اللي مع القوة (العقيد هشام) اتدخل وبص لـ عمر بحزم:
“البشمهندس عمر الجارحي.. الأستاذ شريف قدم بلاغ رسمي لمديرية الأمن بإن في عملية ترويع للمواطنين ومحاولة خطف طفل قاصر بقوة الس*لاح في المنطقة دي.. والظاهر البلاغ كان في محله ورجالتك محاصرين المكان.”
شريف ساب الضابط بيتكلم، وخطى خطوتين ناحية مريم. عينيه كانت بتفحصها بلقامة، وبص لـ زين اللي كان دافن وشه في رقبة حازم وبيعيط بصوت مكتوم.
شريف بفحيح واطي:
“أهلاً يا أستاذة مريم.. عاش من شافك. ملفات مناقصة العاصمة الإدارية بأمان برضه؟ ولا البشمهندس عمر جه ياخدها منك بالقوة عشان يداري على بلاويه؟”
في اللحظة دي.. عمر فهم اللعبة كلها.
شريف زهران مش جاي يحمي مريم ولا جاي عشان سواد عيون أهل الحارة.. شريف عرف بطريقة ما إن مريم عايشة، وعرف إنها المحامية اللي ماسكة ملف القضية اللي ممكن تودي شركات الجارحي في داهية، وجاي يستغل نقطة ضعف عمر الوحيدة (مريم وابنه زين) عشان يمسكه من إيده اللي بتوجعه.
ورغم كل الوجع والغضب اللي جوا عمر من مريم.. ورغم النار اللي قادت في ضلوعه لما سمع الولد بيقول لـ حازم “بابا”.. إلا إن فكرة إن شريف زهران يلمس شعرة من مريم أو ابنه، صحّت جواه وحش كاسر.
عمر خطى خطوة واسعة وسريعة، وبقى واقف كأنه حيطة سد خرسانية بين شريف وبين مريم وحازم والولد. هيبته وطوله غطوا عليهم تماماً.
عمر وهو بيقرب من وش شريف وعينيه بتطق شرار:
“شريف.. لو لمحت طيفك قريب من أي حاجة تخصني، هحرقك أنت وشركاتك في ثانية.. مفيش خطف هنا، دي مراتي وابني، وبنحل خلاف عائلي.. اتفضل بره حارتنا.”
شريف ضحك بصوت عالي استفز الكل:




