عشر سنين زواج 1

عشر سنين.. تلت آلاف وستمية وخمسين يوم.. وأنا بصحى قبل الفجر بساعتين، عشان يوم الباشا يمشي مسطرة. عشر سنين بوجّه فيهم طاقة الكون كلها لخدمته؛ رصيت مواعيده بالدقيقة، طبخت أكله بالجرام عشان الكوليسترول، كويت قمصانه لدرجة إن الياقة توقف زي السيف، وحضّرت شنط سفره وكنت بحطله فيها حتى شراباته المترتبة بالألوان. عشر سنين دايسة فرامل ومفرومة في مكنة البيت، ردمت على طموحي، ودفنت شهادتي وشغلي في الماركتنج اللي كنت مكسرة الدنيا فيه، كل ده عشان حسام بيه “يكبر، ويتقدم، ويلمع” في شركته، ويبان قدام المجتمع إنه الراجل الناجح اللي وراه ست بتدير مملكة.

نرمين عادل همام

وفي ليلة، كنا في نص الشتا، الجو برة تكتكة وأنا واقفة في المطبخ من العصر بعمل الكوردون بلو والشوربة اللي بيحبهم. حطيت السيرفيس على السفرة وقعدت، وبمنتهى البرود، كأنه بيطلب ملاحات الملح أو بيسأل عن نتيجة الماتش، بصلي وقالها:

“بصي يا منار.. من أول الشهر الجاي، إحنا هنقسم كل حاجة بيننا بالبلدي كدة: النص بالنص. أنا مش ناوي أفضل أصرف طول عمري على واحدة واخدة البيت فندق خمس نجوم، وعايشة على الجاهز، وطلباتها مابتخلصش.”

المعلقة اتجمدت في إيدي في الهوا، واللقمة وقفت في زوري. بصيت في عينيه أدور على أي لمحة هزار، أصل حسام دمه يلطش وساعات بيحب يغلّس ويهوش. بس لأ.. المرة دي مكنش فيه ريحة الهزار. الوش خشب، والعينين حاسبة ومقررة.

قلت وأنا حاسة إن وداني بتصفر من الصدمة: 

“نعم؟ بتقول إيه يا حسام؟ إنت سامع نفسك؟” ابتسم ابتسامة صفرا، سماجة الدنيا كانت فيها، وحط موبايله الـ iPhone الجديد على الترابيزة بهدوء وثقة.. كأنه ملقن نفسه الكلمتين دول قدام مراية الحمام وهو بيحلق دقنه الصبح.

قاللي وهو بيميل ضهره لورا: 

“إحنا مش في عصر الحريم والجو القديم ده يا ماما.. لو عايزة تعيشي في المستوى ده، وتلبسي من البراندات دي، وتاكلي الأكل ده، لازم تشيلي معايا. خمسين خمسين.. ولا إنتي شايفة إيه؟”

لفيت بعيني في الصالة بذهول مش قادرة أستوعبه. بصيت للبيت اللي أنا منقية كل فتلة وسلك ومسمار فيه. الستائر الشيفون التقيلة اللي سهرت الليالي أخيطها على إيدي وتصممت صوابعي عشان نوفر مصنعية الستارجي. السفرة المودرن دي اللي لفيت عليها في دمياط وأنا حامل في الشهر السابع، واشتريناها سوا أيام ما كنا بنكح تراب وبندفع الأقساط بطلوع الروح وبنلغي خروجنا عشان نوفر خمسين جنيه.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *