عمر بيبص لمريم

كانت مرعوبة، لكنها ركبت.
طول الطريق ولا واحد فيهم اتكلم.
ولما وصلوا للبنتهاوس، فتح الخزنة القديمة وحط قدامها صندوق خشب صغير.
قال: “قبل خمسة وعشرين سنة جدتك أنقذت طفل كان مطلوب يتق*تل بسبب صراع على ثروة عيلة كبيرة. الطفل ده… كنت أنا.”
مريم فضلت باصة له في صدمة.
فتح الصندوق.
طلع نفس البطانية البيضا اللي كانت في الصورة، ومعاها خطاب قديم.
ناولها الخطاب.
كان بخط جدتها أمينة.
“لو وصلت الرسالة دي لعمر بعد السنين دي كلها، يبقى ربنا كتب له يعيش. أنا مخبيتوش عشان الفلوس، خبيته عشان كان طفل مالوش ذنب. ولو في يوم حفيدتي قابلته، أعرف إنها أمانة عنده زي ما هو كان أمانة عندي.”
دموع مريم نزلت من غير ما تحس.
افتكرت جدتها وهي دايمًا تقول لها إن المعروف الحقيقي بيرجع مهما طال الزمن.
ابتسم عمر لأول مرة ابتسامة صادقة.
“التهويدة اللي غنيتيها كانت الإشارة الوحيدة اللي فضلت معايا من طفولتي. أول ما سمعتها عرفت إن بينك وبين الست دي صلة.”
لكن لسه كان فيه سؤال.
“مين حاول يخطفني؟”
فتح عمر ملف قديم.
كان فيه مستندات وصور وأسماء.
قال: “الشخص اللي دبّر كل حاجة كان شريكي القديم. مات من سنين، لكن قبل موته اعترف بكل حاجة وسلم الأدلة للنيابة. القض*ية اتقفلت، والناس اللي شاركوه اتحاسبوا.”
أخدها في اليوم التالي لبيت جدتها القديم في إسكندرية.
كان البيت مقفول من سنين.
فتحوا أوضة صغيرة كانت جدتها دايمًا تمنع أي حد يدخلها.
جواها لقوا صندوق تاني.
الصندوق كان فيه صور كتير لعمر وهو طفل، ورسائل شكر كانت جدتها عمرها ما بعتها، ومفكرة كتبت فيها كل اللي حصل بالتفصيل من أول ليلة أنقذته فيها لحد ما سلمته لأهله بعد ما الخطر انتهى.
وقفت مريم تقلب الصفحات وهي بتبكي.
كانت جدتها بطلة حقيقية، لكنها اختارت تعيش وتموت من غير ما تحكي لحد.
بص لها عمر وقال: “أنا مدين ليها بعمري كله… وعمري ما هقدر أوفي الدين ده.”
ردت مريم بابتسامة هادئة: “هي ما كانتش مستنية مقابل… كانت بتعمل الصح وبس.”
بعد شهور، عمر أنشأ مؤسسة خيرية باسم “أمينة” لعلاج الأطفال غير القادرين، وكان أول قرار فيها تحمل مصاريف علاج يوسف بالكامل وتعليمه لحد ما يحقق حلمه.
أما مريم، فكملت دراستها من جديد، واشتغلت في إدارة المؤسسة بدل شغل التنظيف، لأنها كانت مؤمنة إن الفرصة اللي غيرت حياتها لازم تكون بداية لتغيير حياة ناس تانية.




