ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم 2

قفلت السكة في وشها قبل ما أسمع أي كلمة ثانية.
أحساس عجيب بالشفاء النفسي والعدالة كان بيدخل قلبي مع كل ثانية بتمر. الحقيقة ظهرت، والقوة الحقيقية ما كانتش في النفوذ ولا في الس\لاح ولا في المكر… القوة كانت في الحق وفي الصمود وفي الثقة بالنفس.
عدى اليومين، وحان الميعاد المحدد عند المأذون… الميعاد اللي هيرسم الخط الفاصل بين الماضي الأليم والمستقبل الجديد.
## الجزء الخامس والأخير
جاء اليوم الموعود… اليوم اللي حسم كل حاجة وغسل أثار القسوة والظلم اللي عشتهم سنين طويلة.
الساعة كانت أربعة العصر، والشمس بدأت تبعد عن وسط السماء وتبعت أشعة دافية خفيفة على أركان الشارع. كنت قاعدة في مكتب الأستاذ عبد المجيد المحامي، لابسة فستان بني أنيق وطرحة بيضاء، وواقفة قدام المراية بأبص لملامحي… الورم والزرقان اللي كان تحت عيني اختفى تماماً، وأثار صوابعه على خدي راحت، بس الأهم إن الخوف اللي كان ساكن جوة عيوني اتنسى وحل محله هدوء وثبات غير عادي.
دخل الأستاذ عبد المجيد المكتب وهو شايل شنطة جلد سوداء كبيرة، وقال بابتسامة أب حنون:
— “جاهزة يا دكتورة؟ الأستاذ المأذون والظابط وأخته في انتظارنا في مكتب المأذون، وكل الأوراق والمنقولات والدهب وصلوا والمحامي بتاعه راجعهم معايا بند بند.”
هزيت رأسي بثقة:
— “جاهزة يا أستاذ عبد المجيد… يلا بينا ننهي الصفحة دي للأبد.”
نزلنا وركبنا العربية، وفي الطريق لمكتب المأذون، كان الشريط كله بيمر قدام عيني: حادثة أبويا وأمي، بيت عمي وقسوته، دمعتي وأنا بطلب منه أكمل تعليمي بفلوس أبويا، العرسان اللي طفشوهم، الفرحة المزيفة لما اتجوزت ظابط ورسمت الأمان في خيالي، والقلم اللي صحاني على أرض الواقع. كل محطة في حياتي كانت درس قاسٍ، بس كل درس كان بيبنيني وبيصنع مني الست القوية اللي واقفة النهاردة ما بتنكسرش.
وصلنا مكتب المأذون. المكان كان هادي، صدى الصوت فيه بيعكس رهبة الموقف.
أول ما فتحت الباب ودخلت، شفته قاعد على الكرسي. كان لابس بدلة كاجوال، وشه شاحب وعيونه مطفية ومفيهاش أي أثر للغرور أو القوة اللي كان بيتطاول بيها عليا. وجنبه أخته (صاحبتي القديمة) اللي كانت باصة للأرض وخجلانة ترفع عينها في عيني بعد كل اللي حصل من أخوها وأمها.
أول ما دخلت، قام وقف تلقائياً، وبصلي بصة مليانة ندام وحسرة، كأنه بيشوفني لأول مرة… كان بيشوف الدكتورة الشجاعة اللي ما استسلمتش، مش البنت اليتيمة اللي افتكر إنه اشتراها وامتلكها.





