قسم الشرطه

“يا ماما… أنا معملتش كده…” — مكالمة بنتي الساعة ٢ الفجر كشفت حقيقة جوزها كان عايز يدفـ,ـنها
الساعة كانت ٢:٠٧ بالظبط لما الموبايل رن فجأة وصحّاني من النوم.
أنا أصلاً كنت بين النوم والصحيان. في سني ده، النوم بقى حاجة بنحاول نوصل لها مش حاجة مضمونة. الليلة دي كان في هوا بيخبط فرع شجرة في الشباك بإصرار غـ,ـريب… كأنه عارف إني في الآخر هصحى. أول ما بصيت على الساعة، فهمت إن المكالمة دي مش حاجة بسيطة.
“ماما؟”
كان صوت بنتي، سارة… وصوتها خلّى قلبي يقع.
مش عالي… مش مذعور… وده كان أسوأ.
كان صوت مكسور.
الصوت اللي بيبقى عند حد فضل متماسك فترة طويلة قوي لحد ما خلاص.
قلت بسرعة وأنا بقوم:
“سارة… إنتي فين؟”
سكتت لحظة. سمعت صوت نور فلورسنت، وباب بيزيق، وصوت راجل قريب منها خلاني أقلق فورًا.
قالت بهدوء:
“أنا في قسم شرطة… لو سمحتي تعالي.”
أنا كنت قمت من السرير قبل ما تكمّل.
“إيه اللي حصل؟”
سكتت تاني… وبعدين قالت بصوت ضعيف كأنه تلج:
“كريم قالهم إني ضـ,ـربته.”
غمضت عيني لحظة.
“إنتي اتأذيتي؟”
“آه.”
الكلمة كانت مليانة إحساس بالذنب… وده ولّع جوايا نـ,ـار. الإحساس بالذنب في العيلة ليه ريحة… ريحة خـ,ـوف وتحكم… لما حد يفرض عليك واقع مش بتاعك لحد ما تصدقه.
قلت بحزم:
“اسمعي كويس… إنتي لوحدك؟”
قالت:
“محاميّه هنا.”
وقفت مكاني.
“محاميّه؟!”
“آه.”
أنا اشتغلت في المحاكم أكتر من ٣٠ سنة قبل ما أسيب الشغل. في تفاصيل كده ليها معنى… جوز يجيب محامي نص الليل قبل ما أهل مراته يوصلوا؟
ده معناه إن الموضوع مش صدفة.
معناه إن كريم كان مرتب ده.
قلت بهدوء:
“سارة… مترديش على أي سؤال غير اسمك أو بياناتك الطبية. فاهمة؟”
“أنا قلت شوية حاجات.”
“مفيش مشكلة. من دلوقتي اتكلمي أقل حاجة. اطلبّي مية. اقعدي مستقيمة. اتنفسي. أنا جاية.”
وهنا بدأت تعيط… بهدوء في الأول… وده كان أصعب. حتى وهي صغيرة، كانت بتعـ,ـيط كأنها بتعتذر.
“ماما؟”
“معاكي.”
“أنا معملتش اللي قاله.”
قلت فورًا:
“أنا عارفة.”
وكنت فعلًا عارفة.
مش عشان هي كاملة… لأ. سارة عنيدة، وعندها عصبيتي بس بتغلفها بذوق. بتتحمل زيادة، وبتستحمل ناس غلط، وتضحك في وقت المفروض تمشي فيه.
بس أنا كنت عارفة كريم… أو على الأقل عارفة النوع ده من الرجالة.
اللي لبسهم شيك وكلامهم محسوب. اللي مش محتاجين يزعقوا عشان يأذوا. اللي يقولوا على الست “حساسة” بنفس الهدوء اللي بيطلبوا بيه قهوة. اللي يلبسوا دور القلق بإتقان يخليهم يبانوا منطقيين وهم بيتحكموا.



