الساعه بقت تلاته وخمس دقايق

الساعة بقت تلاتة وخمس دقائق.. الصوت جوة الصالون الرئيسي كان زي حشرجة الذباب، همسات متوترة، تنحنح موظفين بيظبطوا الجرافات، وصوت كعب ولاء وهي رايحة جاية قدام الباب الخشب المتأنق، تتفقد الشكل العام كأنها حارس بوابة الجنة.

كل عين جوة الصالون كانت متلصقة على الباب، متوقعين يدخل عليهم موكب من العربيات الفارهة، حراسة، ست أنيقة ببدلة سودا ونظارة شمس ماركة، نازلة من أحدث طراز، تتكلم فرنساوي أو إنجليزي مكسر، وتديهم من طرف المناخير. ما حدش فيهم فكر يبص برة الباب.. ما حدش فكر إن المالكة الجديدة مش محتاجة أسانسير ولا حراسة، لأنها أساساً قاعدة على كرسي خشب مكسور على بعد خمس خطوات بس من جزمتهم اللامعة.

مسكت عكازي الخشب بكف إيدي اللي مليان تجاعيد، الصوابع اللي شالت وغزلت وبنت إمبراطورية من العدم، كانت بتترعش بس مش من الخوف.. من التقل. تقل الحقيقة لما تتكشف، وتقل العدل لما يقرر يزور مكان اتنسى فيه ربنا.

وقفت بالراحة.. مفاصلي أصدرت طقطقة خفيفة، الشنطة القماش القديمة كانت متدلية من دراعي، والجلابية الكحلي اللي افتكروها ملاية لف، كانت غرقانة بعرق تلات ساعات قعدة في الحر. خطوت بخطوة بطيئة، صوت العكاز وهو بيخبط على البلاط الرخام كان يرن في الطرقة الفاضية: “تك.. تك.. تك..”

ولاء كانت واقفة ضهرها للباب، بتظبط روجها في المراية الصغيرة. لما سمعت صوت العكاز قرب، لفت وشها بسرعة والشرار بيتطاير من عينها:

— إيه ده؟ أنتِ لسة هنا يا حجة؟! هو كلامي ما بيتفهمش ولا إيه؟ قولتلك الشركة فاضية ومفيش مقابلات! قومي انزلي برة بدل ما أجيبلك أمن البرج يشيلوكي يرموكي في الشارع!

ما رديتش عليها. ولا كلمة.

عديتها ببساطة، كأني معدية جنب كرسي فاضي، ومشيت مباشرة ناحية الباب الخشب الكبير بتاع الصالون. ولاء عينيها برزت من الذهول والغل، جرت ورايا ومسكت دراعي بقسوة:

— أنتِ اتجننتي يا ست أنتِ؟! جوة في اجتماع سري للمالك الجديد! لو حد شافك هيقطع عيشنا كلنا!

بصيت لإيدها اللي ماسكة دراعي.. بصة واحدة بس. من غير ما أرفع صوتي، بس ببرود يجمّد الدم في العروق، قولت كلمة واحدة:

— سبي إيدك يا ولاء.. عشان إيدك دي هي أول حاجة هتقطعي بيها عيشك بإيدك.

ولاء اتسمرت مكأنها اتكهربت، إيدها سابت دراعي لوحدها من غير ما تفهم ليه. في اللحظة دي، زقيت الباب الخشب الكبير بإيدي التانية.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *