الساعه بقت تلاته وخمس دقايق

الباب اتفتح بصرير هادي..
الصمت نزل على القاعة زي صخرة تقيلة وقعت من السماء. أكتر من خمسين موظف ومدير، واقفين في صفوف منتظمة زي العسكر، وشريف الباشا، المدير العام، واقف في الوش ببدلته الرمادي ورابطة العنق الحمراء، مبتسم ابتسامة عريضة ومجهز كلمته الترحيبية اللي كاتبها بقاله أسبوع.
أول ما الباب اتفتح، الابتسامة اتجمدت على وش شريف.. العينين كلها اتوجهت ناحية الباب. متوقعين الموكب.. فلقوا ست عجوزة، بعكاز خشب، وشنطة قماش، وطرحة رمادي هادية.
شريف وشه اتغير من الترقب للغضب الساطع، بصرخة هزت القاعة بص على ولاء اللي واقفة ورايا بترتعش:
— إيه المهزلة دي يا ولاء؟! إيه القرف ده؟! مين سمح للست دي تدخل هنا في وقت زي ده؟! أنتِ اتجننتي؟! طرد فوراً! برة كلكم!
شريف تقدم ناحيتي بخطوات سريعة وجريئة، وشه أحمر من الغيظ، ومسك كتافي عشان يلفني ويدفعني برة الباب:
— اتفضلي يا حجة برة! دي شركة محترمة مش تكية ولا ملجأ! عندنا اجتماع مصيري، انزلي شحاتة تحت عند الباب!
في اللحظة دي بالذات.. الباب الخارجي بتاع الدور اتفتح بقوة. دخل منه راجل في الأربعينات، شايل شنطة جلد فخمة، ببدلة سودا أنيقة، ووشه أغبر من الجري. الأستاذ طاهر، المحامي الخاص بالإجراءات الماليّة والبيع والشراء.
طاهر دخل يدور بعينيه في الصالة، وأول ما شاف شريف ماسكني من كتفي وبيزقني، وشه اتقلب أصفر زي الليمونة، الشنطة كادت تقع من إيده، وجري بأقصى سرعة عنده، يزق الموظفين وشريف نفسه، ووقف قدامي وهو بيلهث، ووطى ركبتيه على الأرض قدام كل الناس، وقال بصوت يترعش ومسموع لكل القاعة:
— أهلاً بحضرتك يا نوال هانم! ألف اعتذار على التأخير! زحمة الكورنيش وقفتني.. يا فندم المحاضر والعقود الموثقة في الشنطة جاهزة للتوقيع النهائي!
السكوت اللي حل في القاعة بعد الجملة دي.. ما كانش سكوت عادي. كان سكوت موت.
شريف إيده اتجمدت في الهواء وهي لسة ممدودة ناحية كتفي. عيونه اتوسعت لدرجة حسيت إنها هتطلع من مكانها. ولاء ورايا أطلقت شهقة مكتومة، والمراية الصغيرة وقعت من إيدها اتكسرت نصين على الرخام.
عم صلاح، الراجل الطيب بتاع الكرتون، صوابعه سابت الملف اللي في إيده، والأوراق اتطارت في الهواء ونزلت هادية على الأرض.
طلعت نظارتي الطبية البسيطة من الشنطة القماش، لبستها بالراحة، وبصيت لشريف اللي كان واقف زي الصنم، ريقه ناشف ومش قادر ينطق كلمة.




