الاول طعم فى يدا أليفه بقلم سيلا ٦

_ما دعتنيش ليه يا خالد؟… ده حتى إحنا جيران.
ثم انحرفت عيناه نحو خديجة.
كانت واقفة أمامه، عاجزة حتى عن رفع عينيها إليه، تخشى أن تفضحها دموعها.
فقال، وكأنه يتعمد أن يزيد المسافة بينهما:
_والأستاذة… زيها زي أختي.
كانت الكلمة كافية لتغرز خنجرًا في قلبها.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا حياة فيها:
_على العموم… مبروك.
وقبل أن يكمل، لمح والدته تندفع نحوه.
_عبدالرحمن…
استدار إليها، فوجدها تهز رأسها برفض، كأنها ترجوه بعينيها ألا يكمل.
لكنه لم يستطع.
استدار مرة أخرى نحو خديجة، واقترب خطوة.
ثم قال، وهو يثبت عينيه في عينيها:
_مبروك يا أستاذة خديجة… بالرفاء والبنين.
خرجت الكلمات من بين شفتيه، لكنها لم تصل إليهما كتهنئة… كانت نيرانًا.
حرقت جوفه هو قبل أن تحرق قلبها.
رفعت خديجة عينيها إليه…وليتها لم تفعل.
فما إن التقت عيناها بعينيه حتى انهارت كل محاولاتها للصمود، وانسابت دموعها رغما عنها… رآها… رآها تبكي…
لكن كبرياءه المجروح أقنعه أنها دموع امرأة تجيد التمثيل.
كور قبضته حتى ابيضّت مفاصله، ثم قال، وعيناه لا تفارقان عينيها:
_رغم إنكم ما عزمتنيش… وأنا كنت ناوي أشهد على العقد بنفسي، بس مش مشكلة.
صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة موجوعة:
_بكرة أنا أدعيكم.
شهقة مكتومة أفلتت من بين شفتيها.
نظرت إليه بعينين ترجوانه أن يتوقف، وكان صوتها غائبًا، لكن عينيها صرختا بما لم تستطع قوله:
يكفي… أرجوك.
أنا أتألم مثلك.
لا تزيد وجعي… فأنا لم أعد أحتمل.
أما هو…
فأدار وجهه عنها، قبل أن تفضحه دموعه.
لأن الرجل الذي جاء ليبارك لها زواجها…
كان في الحقيقة يقف أمام المرأة التي أحبها، ويودّع قلبه للمرة الأخيرة..
_مبروك
همس بها، ثم استدار سريعًا، وكأن بقاءه ثانية أخرى أمامها سيجعله ينهار أمام الجميع
تحرك متخبط الخطوات، لا يعرف إلى أين يذهب، ولا ماذا يفعل بكل ذلك الألم الذي ينهش صدره.
كانت دموعه تسبقه…
دموع رجلٍ مثله، كانت أكبر فضيحة يمكن أن يراها من يعرفه.
ركض… ركض كمن يهرب من شيء يطارده، بينما كانت والدته تراقبه بعينين غارقتين في الدموع.
ماذا فعل ابنها حتى يصل إلى هذه الحالة؟
كيف لرجلٍ كان دائمًا سندًا لغيره أن يصبح الآن بهذا الضعف؟
قلبه ينهار…وجسده يتحرك بلا روح، كأنه ترك حياته أمام عيني خديجة.




