صوفيا

ألكـ,ـسس في كل ده كانت بتتغير. مرة هي بتبكي قدام الباب، مرة تبتسم عليا مزيف. مرة تحط لي أكل قدامي على الطاولة باسمي “ماما” كأنها بتزعم البراءة. كانت بتتكلم قدام الناس “إحنا بنعمل لمصلحة البيت”، لكن كلما.تها كانت بتتكسّر في المحكمة. مش كرهتُها — لا. لكني حسّيت إن اللي كانت بتعمله مش بس جريمة قانونية، ده خيانة لدمها. وفي لحظات، فاكرها لما كانت صغيرة وبتعدي بضحكة على ظهر الحصان وتغرّد: “ما تخافيش، ماما.” وكنت أقول لنفسي: يا بنتي… مين اللي علَّمك إن تخوني أمك؟
مرت شهور ودورنا القانوني بيتعرّج. الناس في البلدة بدأت تتهم جورج — مش لأنه غلط بس — لأنه سمح للألكـ,ـسس تعمل اللي عملته. فيرام كانت قاعدة متخبطة بين اللي كان فعلا مشروع عائلي واللي بقى مشروع تجاري. المحكمة أخدت قرار: إعادة تسجيل الملكية بما يتوافق مع العقد الأصلي. الحكم قال إن التحويل كان باطل وإن البيت والقطعة أرضي نرجع لنظام الملكية اللي كان سابق. حصلت تعويضات مالية، وبعض العقود من العقود اللي اتعملت كانت ملغّاة. الناس اللي سجلت حجوزات عليهم عقود جديدة أو استرداد فلوس. المال اللي حصلوا عليه — في جزء منه — كان لازم يرجع لصندوق الحفظ المؤقت لحد ما الحسابات تترتب.
لما نزل الحكم، وقفت في البلكونة الصغيرة للبيت، وبصيت لتحت. كانت في وجوه مختلفة: ضيوف كانوا مسـ,ـتغربين، والناس اللي بتحب المكان كانوا متمنين. ألكسس وقفت مع جورج عند المدرج، وشكلها كان متعب ومافيش فيها قـ,ـوة. قربت منها وجبت ورقة الحكم وقريتها في وشها. مشعل صوتي كان ساكن، ما فيهوش احتفال ولا استعراض. قلت: “البيت هنا. واللي يغيّر الكلام ده يقدّم في المحكمة.”
في الوقت ده تكونت لحظة غريبة: الأهالي اللي كانوا جايين من البلد بدأوا يقفوا جنبي، بعضهم بعتذر، وبعضهم سكت. جورج اختفى لأيام. كان واضح إنه حس بخسارة مادية وسمعة، لكن الأهم من ده إن في شيء أكبر خسره: الاحترام. لما تبني حياتك على خداع، لو اتكشف، مش بس البنيان يسقط، الناس اللي حواليك كمان بتبصلك بعين تانية.
الحكم خلا حاجات تتغير. لكن التغيير الحقيقي كان جوهيا: كان ليا. لما المحكمة قررت، رجعت الحاجة اللي كانت دايمًا ليّ. الناس اللي عملوا مشاريع على الأرض اضطروا يراجعوا عقودهم. وانا فكرت: هعمل ايه دلوقتي؟ هل أبيع وأروح؟ هل أقعد وانهي كل حاجة وأمشي للدار المسنين؟ ماكنتش محتاجة قرارات سريعة. أنا محتاجة قرار حكيم.




