ام احمد رجعت

الست أم أحمد رجعت تجري وهي ماسكة الموبايل بإيد بتترعش، ضغطت على الأرقام وصوتها طالع مخضوض: “الحقونا.. عربية إسعاف بسرعة على عنوان… أيوة يا بني، واد لسه مولود بيموت!”

مريم مكانتش سامعة صوت أم أحمد، كانت سامعة صوت السكوت اللي جوة الكوفرتة اللبني.. السكوت اللي بيقطع في أحشائها أكتر من وجع بطنها اللي عمالة تنزف. يونس كان هادي.. هادي زيادة عن اللزوم، وشه الصغير بقى لونه أزرق غامق، وشفايفه اللي كان المفروض تدوق طعم اللبن داقوا طعم الموت قبل ما يبدأ.

“مريم.. يا مريم وحدي الله يا بنتي!” أم أحمد طبطبت على كتفها وهي بتبكي، بس مريم كانت في عالم تاني. عينيها كانت مبرقة، مفيش دموع نازلة، بس فيه شرار أحمر بدأ يتولد جوة نني عينها. الشرار ده مكانش وجع، ده كان بداية بركان غل أسود.. غل مش هيسيب الأخضر واليابس.

الإسعاف جت بعد ربع ساعة، ربع ساعة كانت بالنسبة لمريم أكنها ميت سنة في جهنم. المسعف خد الواد بسرعة ودخلوا بيه العربية، ومريم ركبت جنبه، وجسمها كله بيترعش بس مش من الساقعة.. من الغيظ. المسعف بدأ يعمل إنعاش للقلب، يضغط بصوابعه الصغيرة على صدر يونس الصغير، ومريم باصة.. مستنية معجزة.. مستنية يونس يصرخ، مستنية يرجع يكح، مستنية يقول لها إن أبوه وجدته مش ق/تلة.

لكن المسعف بص لها بعد كام دقيقة، وهز راسه بأسف ودمعة نزلت من عينه: “البقاء لله يا مدام.. الواد جاي قطع نفس من بدري.. هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف عضلة القلب بسبب نقص الأكسجين.. مات مخنوق.”

مات مخنوق. الكلمة دي لفت في دماغ مريم زي الإعصار. يونس مات عشان طارق خاف على تمن تذكرتين شرم الشيخ.. يونس مات عشان الحاجة فتحية كانت عايزة تكسر كلمة مريم وتطلع هي اللي بتفهم.

في المستشفى، الإجراءات كانت ميتة ومملة. مريم كانت قاعدة على الكرسي الخشب في الممر، عبايتها مليانة دم، وعينيها في الأرض. أم أحمد كانت واقفة جنبها بتخلص الأوراق. الدكتور طلع وقال لمريم: “يا مدام، لازم نعمل تقرير طبي، ونبلغ الشرطة.. لأن حالة الوفاة فيها إهمال طبي جسيم، ولو كان الواد جِه المستشفى من ساعة واحدة بس، كان ممكن يتلحق بجلسة أكسجين بسيطة.. دي جر/يمة.”

مريم رفعت راسها ببطء. عينيها مكانتش عين واحدة مكسورة، كانت عين واحدة ميتة ومستنية البعث. بصت للدكتور وقالت بصوت ناشف، خالي من أي إحساس، صوت طالع من القبر: “لا يا دكتور.. مفيش شرطة.. ومفيش إهمال.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *