فى قلب المدافن القديمه

الكل اتسمر في مكانه، والأنفاس اتكتمت تماماً. النعش اللي المفروض يضم جثمان “أميرة” كان جواه كتلة صلبة ضخمة ملفوفة بالخيش الأسود ومتربطة بسلاسل حديد تقيلة، وجنبها أكياس رمل عشان تظبط الوزن وتوهم أي حد يشيله إنه شايل بني آدم!
الصدمة لجمت الكل. أميرة مش جوة الكفن، والنعش اللي بقالهم أيام بيعيطوا عليه مكنش فيه غير حديد ورمل.
أم أميرة صرخت صرخة شقت السكوت: “بنتي فين؟! يا لهوي يا ناس.. بنتي فين؟!”، ووقعت في الأرض مغمى عليها. أبوها وقف مكانه زي التماثيل، مش قادر يستوعب الصدمة ولا قادر ينطق بكلمة واحدة. أما تامر، فبص للحديد والرمل وعينه وسعت بشكل مرعب، ملامحه اتقلبت من الحزن والكسرة لذهول كامل، وبعدها لغضب أعمى. مسك التربي من هدومه وزعق فيه: “أنتوا بدلتوا الجث..ة؟! الجث..ة راحت فين بنتنقل من المستشفى لهنا في عربيتكم!”
التربي حلف بمية يمين وهو بيرتعش: “والله العظيم يا بيه النعش جايلنا مقفول ومتشمع من المشرحة زي ما هو، إحنا مانعرفش حاجة واصل! إحنا استلمناه كده!”
الناس في المدافن بدأت تتجمهر وتوشوش، والوضع اتقلب لهرج ومرج. الشيخ اللي كان واقف يقرأ القرآن، قفل المصحف وبص لتامر وقال بصوت حازم: “يا ابني اهدى، الموضوع فيه إنّ، النعش ده خرج من المستشفى كده، لازم تبلغوا البوليس حالاً، دي مفيهاش سكوت.”
في أقل من ساعة، كانت عربيات البوليس محاوطة المدافن القديمة. الظابط المسؤول، الرائد أحمد، وقف يبص للنعش والحديد اللي جواه ووشه مفسرش أي حاجة غير الجدية والخطورة. طلب التحفظ على النعش وعلى أفراد شركة نقل الموتى، وبص لتامر ولأبو أميرة وقالهم: “عايزكم معايا في القسم حالاً، لازم نفهم الجث..ة دي اختفت فين ومين اللي استلمها من المشرحة.”
في مكتب الرائد أحمد، كان تامر قاعد حاطط راسه بين إيديه، مش قادر يصدق إن مراته اللي ماتت في حادثة، اختفت جثتها.
الظابط بدأ يستجوب تامر: “يا تامر، مين اللي خلص إجراءات خروج الجث..ة من مشرحة المستشفى؟”
تامر رفع راسه وعينه حمرا من كتر الدموع والغضب: “أنا وخالها يا فندم.. بس أنا مأتشرفتش على الكفن في اللحظة الأخيرة، هما قالوا لنا الجث..ة جاهزة ومكفنة والنعش اتقفل قدامنا، بس محدش فينا فتح النعش يتأكد، إحنا كنا في حالة لا نحسد عليها ومصدومين!”


