ابن سلفتي

هنا وشها تحول لسم صافي، وضحكت بصوت عالٍ كله غل وشماتة، وقالت لي وهي بتجز على سنانها: “أسرقهم؟! واسرق ليه يا حلوة؟! هو إنتي فاكرة الفلوس دي بتاعتك؟ ده إنتي وكل فلوسك، وفلوس جوزك، وحتى أي قشاية بتشتروها في البيت ده، ورث لابني الصغير ده!” وشاورت بصباعها على ابنها اللي كان بيلعب في التراب برة، وكملت بصوت زي السكينة المسمومة:
“ولا نسيتي إنك أرض بور؟ آخر نفس هيطلع منك مش هيبقى لك حد بعده يورثك! اللي أدهولك تاخديه وإنتي ساكتة وبايسة إيدك وش وظهر.. كدة كدة يا حبيبتي كل شقاكم ده بيرجع لنا تاني، حتى المسكين جوزك اللي طالعة عينه طول السنة، كل شقاه وتعبه إحنا اللي هنورثه في الآخر.. إلا بقى لو حصلت معجزة وبدلوا لك بطنك اللي زي قلتها دي!” ضحكت ضحكة هزت كياني، وراحت شايلة ابنها من على الأرض وهي بتقول بصوت عالي يسمع البيت كله: “تعالى يا حبيبي جوة لتتحسد.. قل أعوذ برب الفلق!”
أنا وقفت مكاني مش قادرة أرفع رجلي. الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي ض.رب السوا.طير. أترميت على السر.ير، عيوني اتملت دموع زي المطر، وصرخة مكتومة في صدري مش عارفة أطلعها. كلامها كان صح، وده اللي كان بيقطع في جسمي.. إن راجلي بيشقَى لغيره، وإن سكوتي وحرماني مخليني شايفة تعبه بيروح لناس بتتمنى مو.تنا عشان تورثنا! فضلت يومين مش بدوق النوم، كلامها يرن في ودني زي الجرس: “أرض بور.. كل شقاكم لابني.. هنورثكم في الآخر!”
بعد يومين، كانت الحاجة بتخبز عيش شمسي في الحوش تحت. ولعت الفرن الطين الكبير، وحطت فيه الحطب والقش، ولعته لما النار بقت ملهلبة من جوة وزي الجحيم. فجأة الباب الخارجي خبط، فالحاجة سابت الفرن قايد وراحت تفتح تشوف مين في الوقت ده. في اللحظة دي، أنا كنت طالعه من شقتي عشان أساعد الحاجة في الخبيز. وشوفت مشهد مش هنساه عمري كله
ابن رحمة الصغير.. الولد اللي يادوب بيتعلم المشي وبيحبى على الأرض، خرج من باب شقتهم اللي أبوه سابه مفتوح وهو طالع، وأمه كانت محبوسة في المطبخ بتعمل أكل . الولد سحل نفسه ووصل لحد الحوش، وقعد يلعب جنب باب الفرن المفتوح. وهو بيلعب، اللعبة الصغيرة اللي في إيده اترمَت جوة الفرن الملهلب! الولد، بعقله الصغير وبخطواته المتهززة، قرب خالص من فتحة الفرن، وطبس بجسمه كله لجوة عشان يسحب اللعبة من وسط النار اللي بتاكل في الحطب!
أنا في ثانية، عقلي طار.. كنت هصرخ بكل صوتي، كنت هجري وأسحبه من هدومه قبل ما النار تاكله أو يقع في قلب الفرن.. بس في جزء من الثانية.. في أقل من رمشة عين.. رن في ودني صوت سلفتي والكلام اللي قالتهولي من يومين: “أرض بور.. شقاكي وشقى جوزك لابني ده.. هنورثكم في الآخر!” ساعتها.. وقفت مكاني! وجسمي اتجمد، وفي اللحظة دي، عملت حاجة في حياتي كلها عمر ما خيالي كان ممكن يتصور إني أعملها…




