روايه كامله

إنه سابنا عشان الفلوس، وإنه ما كانش بيحبنا. لو كان عايش، كنت عايزة أسأله سؤال واحد ليه؟
سليم سكت قليلًا، وبعدها قال
أنا كمان عندي سؤال لسه ما لقيتش له إجابة.
إيه هو؟
ليه كل الناس اللي كان ممكن يساعدوني اختفوا، وليه كل اللي فضلوا حواليا كانوا بيقولوا لي إن الأمل انتهى؟
في اللحظة دي، رن تليفون ليلى.
رقم غريب.
ردت بحذر.
ألو؟
جالها صوت راجل كبير في السن، ضعيف ومتقطع.
ليلى؟
اتجمدت مكانها.
مين معايا؟
أنا أبوكي.
التليفون وقع من إيدها، لكن سليم التقطه قبل ما يخبط الأرض.
حط المكبر، وقال بصوت حازم
مين معايا؟
الصوت اتردد، وبعدها قال
إنت سليم؟
سليم قرب التليفون منه.
أيوه. إنت منصور عبدالعزيز؟
أيوه.
ليلى كانت واقفة مش قادرة تتكلم، والدموع نازلة على وشها من غير توقف.
سليم سأله
إنت كنت موجود ليلة الحاډثة؟
منصور سكت طويلًا.
وبعدين قال
أنا كنت هناك عشان أمنعها.
سليم قبض على التليفون.
تمنع إيه؟
كان فيه تقرير طبي اتكتب قبل الحاډثة بيوم. تقرير بيقول إن إصابتك العصبية ممكن تكون مرتبطة بمادة اتعرضت لها على فترات، مش بمرض طبيعي. أبوك اكتشف جزء من الحقيقة، وطلب مني أجيب له المستندات الأصلية.
ليلى شهقت.
يا بابا، إنت كنت فين كل السنين دي؟
منصور صوته اتكسر.
كنت بحاول أحميكي.
تحميني من إيه؟ إنت سبتني لوحدي! سبتني أواجه الدنيا من غيرك، وخلّيتني أصدق إنك مت!
منصور سكت، وبعدها قال
أنا عارف إني غلطت في حقك، ومفيش كلام يبرر اللي عملته. لكن لو كنت رجعت وقتها، كانوا هيستخدموكي عشان يوصلوا لي.
ليلى صړخت
مين هما؟
منصور قال
الدكتور فؤاد… وحسام البدري… وشخص تالت.
سليم سأله فورًا
مين الشخص التالت؟
قبل ما يرد، سمعوا صوت خبطة قوية، وبعدها صوت ارتباك في الخلفية.
منصور قال بسرعة
اسمعوني كويس. التقرير الأصلي مش في المستشفى، ولا في القصر. أنا خبّيته في مكان محدش هيفكر يدور فيه. المكان اللي بدأت منه الحكاية كلها.
سليم سأله
فين؟
منصور همس
بيت أبوك القديم… في المنصورة.
وبعدين صوته ارتفع فجأة
بس أوعوا تثقوا في جابر!
ليلى بصت لجابر في ړعب.
سليم اتلفت ناحيته ببطء.
جابر كان واقف جنب الباب، وشه أبيض تمامًا.
وفجأة، المكالمة اتقطعت.
سليم ما صرخش، وما اندفعش ناحية جابر، لكنه رفع إيده وأشار له يقف مكانه.
إنت سمعت الكلام؟
جابر رد بسرعة
أيوه يا باشا.
وعندك تفسير؟
مش فاهم ليه قال اسمي.
سليم فضل باصص له.
إنت معايا من إمتى؟
من سبعتاشر سنة.
ويوم الحاډثة كنت فين؟
جابر اتردد للمرة الأولى.
كنت في المستشفى.
مين طلب منك تروح؟
والد حضرتك.
سليم قرب منه بكرسيه.
إنت عمرك قلت لي إن أبويا طلب منك تروح المستشفى يوم الحاډثة؟
جابر حاول يرد، لكن الكلمات ما خرجتش.
سليم كرر سؤاله
عمرك قلت لي؟
جابر نزل رأسه.
لأ.
ليه؟
عشان… عشان حضرتك ما سألتنيش.
سليم ابتسم بمرارة.
سبعتاشر سنة، يا جابر. سبعتاشر سنة وإنت أقرب واحد ليا، وعارف تفاصيل حياتي، ومخبي عني إن أبويا طلب منك تروح المستشفى يوم الحاډثة؟
جابر رفع عينيه بسرعة.
أنا ما أذيتكش يا باشا. والله ما أذيتك.
ليلى تدخلت
طيب ليه منصور قال ما نثقش فيك؟ أكيد فيه سبب.
جابر بص لها پغضب.
إنتِ مالكيش دعوة.
سليم ضړب بإيده على المكتب.
ما تعليش صوتك عليها!
جابر اتراجع فورًا.
سليم كمل
من اللحظة دي، إنت مش مسؤول عن الحراسة، ومش هتتحرك من القصر لحد ما أفهم كل حاجة.
جابر ما اعترضش. اكتفى إنه شال جهاز الاتصال من جيبه وحطه على المكتب.
لكن وهو بيعمل كده، ورقة صغيرة وقعت من جيبه.
ليلى كانت أقرب واحدة لها، فانحنت والتقطتها.
كانت قصاصة ورق قديمة، مكتوب عليها بخط يدوي
لو سليم بدأ يستعيد الإحساس، لازم الخطة تتوقف فورًا.
وتحت الجملة كان فيه توقيع واحد.
حسام البدري.
ليلى رفعت الورقة قدام سليم.
إنت شايف اللي أنا شايفاه؟
سليم قرأها، وبعدها رفع عينيه لجابر.
إيه ده؟
جابر بقى ساكتًا.
سليم صوته ارتفع
رد عليا!
جابر قال أخيرًا
أنا لقيت الورقة دي في مكتب الدكتور فؤاد من شهور. كنت ناوي أقول لحضرتك، لكن كنت محتاج أتأكد من معناها.
وتأكدت؟
لأ.
كداب.
جابر اتنهد، ووشه اتغير.
أنا كنت عارف إن فيه حاجة غلط في علاج حضرتك. لكن ما كنتش عارف مين المسؤول. ولما بدأت أشك في الدكتور فؤاد، اكتشفت إن فيه تحويلات مالية بتتم من حسابات الشركة لحسابات مرتبطة بحسام البدري.
ليلى قالت پغضب
وما قلتش لسليم ليه؟
جابر بص لها، وفي عينيه ندم حقيقي.
عشان كنت خاېف. مش على نفسي بس، على الباشا كمان. كل ما أقرب من الحقيقة، ألاقي مستند اختفى، أو شاهد سافر، أو حد يرفض يتكلم. وفي الآخر، لقيت الورقة دي، وفضلت محتفظ بيها.
سليم قال بمرارة
يعني قررت تحميني بالكذب.
جابر رد بصوت منخفض
كنت فاكر إني بحميك.
سليم أشار ناحية الباب.
خدوه لأوضة الضيوف. محدش يأذيه، ومحدش يسمح له يستخدم تليفون لحد ما نتكلم تاني.
اتنين من الحراس دخلوا، لكن جابر وقف قبل ما يخرج.
يا باشا، فيه حاجة لازم تعرفها. أبوك قبل الحاډثة بيوم طلب مني أوصل ظرف لشخص معين. أنا ما فتحتهوش، لكن الشخص ده كان مستني عند البيت القديم في المنصورة.
سليم سأله
مين الشخص؟
جابر رد
الدكتور يوسف.
وبعدها خرج.
ليلى حطت إيدها على رأسها.
يعني الدكتور يوسف كان موجودًا قبل الحاډثة، وأبويا كان بيجمع المستندات، وحسام كان بيتابع علاجك، وفؤاد كان بيخفي التقارير. كل واحد فيهم عنده جزء من الحقيقة.
سليم بص ناحية الشباك.
والحقيقة كلها موجودة في بيت أبويا.
مع أول ضوء للنهار، كانت ليلى واقفة في الممر، بتتكلم مع المستشفى عشان تطمن على عمر.
الممرضة طمنتها إن الدوا وصل، وإن حالته مستقرة نسبيًا، وإنه نام بعد ما أخد الجرعة.
ليلى قفلت المكالمة وغمضت عينيها للحظة.
لأول مرة من شهور، حسّت إنها تقدر تتنفس.
لكن الراحة ما استمرتش طويلًا.
سليم ظهر عند باب المكتب، وكان لابس قميصًا بسيطًا، ووشه أكثر هدوءًا من الليلة اللي فاتت.
قال لها
جهزي نفسك. هنروح المنصورة.
ليلى بصت له باستغراب.
إنت لسه ما عملتش الفحوصات الكاملة.
هعملها. لكن مش هسيب الموضوع يضيع تاني.
أنا هاجي معاك، بس بشرط.
سليم رفع حاجبه.
شروط كمان؟
أيوه. أولًا، لازم دكتور متخصص يفحصك قبل أي مجهود. ثانيًا، أنا مش هشارك في أي حاجة فيها ټهديد أو أذى لحد. وثالثًا، لو حسيت إنك بتستخدم ابني أو ظروفي عشان تجبرني على حاجة، همشي مهما حصل.
سليم فضل باصص لها، وبعدها قال
موافق.
ليلى استغربت.
بالسهولة دي؟
إنتِ أنقذتي ابني من الخۏف على أمه، وأنا هحترم طلبك.
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أنا اللي أنقذت ابني؟
لأ. إنتِ اللي فكرتيني إن الإنسان ممكن يكون قوي من غير ما يكسر اللي حواليه.
سليم سكت لحظة، وبعدها قال
والحاجة دي أنا نسيتها من زمان.
قبل ما يخرجوا، وصل اتصال من المستشفى اللي بيتابع حالة سليم.
الدكتور المسؤول قال إن الفحص الأولي أظهر استجابة عصبية تحتاج إلى تقييم أدق، وإنه لازم يبدأ برنامج تأهيل تحت إشراف فريق متخصص، مع مراجعة كل التقارير القديمة.
سليم وافق من غير اعتراض.
كانت دي أول مرة من عشرين سنة يوافق فيها على خطة علاج من غير ما يطلب ضمانات بالنتيجة.
بيت والد سليم في المنصورة كان واقفًا في شارع قديم، بعيد عن الزحام، تحيط به أشجار كبيرة وبوابة حديدية صدئة.
البيت اتقفل من سنين، لكن سليم كان محتفظًا بمفتاحه.
لما وصلوا، نزل جابر معهم تحت الحراسة، بعد ما سليم قرر يسمح له بالمشاركة في البحث عن الحقيقة، لكن من غير ما يستعيد صلاحياته القديمة.
ليلى وقفت قدام الباب، وبصت للشبابيك المغلقة.
إنت ما دخلتش هنا من إمتى؟
سليم رد
من تمنتاشر سنة.
ليه؟
عشان كل ركن هنا بيفكرني بأبويا.
فتح الباب بصعوبة، ودخلوا.
ريحة الخشب
القديم والتراب كانت مالية المكان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *