روايه كامله

الأثاث مغطى بقماش أبيض، والساعات متوقفة، وصور العيلة معلقة على الحيطان.
سليم وقف قدام صورة والده، رجل في الخمسينات، ملامحه حادة، لكن عينيه فيهما طيبة واضحة.
قال بصوت خاڤت
كان دايمًا يقول لي إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة إلا الحقيقة.
ليلى بصت له.
يمكن عشان كده حد حاول يخبيها عنك.
سليم ما ردش.
بدأوا يفتشوا في المكتب القديم، لكن ما لقوش حاجة غير دفاتر حسابات ورسائل شخصية.
بعد ساعة، ليلى لاحظت إن مكتبة الكتب فيها رف ناقص.
قربت منه، ولمست الحائط الخلفي.
كان فيه جزء مختلف عن باقي الخشب.
نادت سليم.
تعالى شوف ده.
جابر قرب، وفحص الرف، وبعدها ضغط على طرفه.
صدر صوت طقطقة خفيف، وانفتح تجويف صغير في الحائط.
جواه كان فيه صندوق معدني قديم، مقفول بقفل صغير.
سليم حاول يفتحه، لكن المفتاح ما كانش موجودًا.
ليلى قالت
استنى.
رجعت ناحية المكتب، وفتحت درجًا جانبيًا كانت شافته قبل كده.
جواه كانت فيه مجموعة مفاتيح قديمة، بينها مفتاح نحاسي صغير.
جربته في القفل.
فتح الصندوق.
داخل الصندوق، لقوا ثلاثة أشياء
ظرف بني مختوم.
شريط تسجيل قديم.
وصورة عائلية صغيرة، ظهرها مكتوب عليه تاريخ اليوم السابق للحاډثة.
سليم فتح الظرف، وبدأ يقرأ الورقة اللي جواه.
كانت رسالة من والده إلى الدكتور يوسف.
يا دكتور يوسف، أنا راجعت نتائج الفحوصات، ومش قادر أصدق إن ابني اتعرض للشيء ده من غير ما نعرف. أنا عايز الحقيقة كاملة، حتى لو كانت مؤلمة. لو اللي اكتشفته صحيح، يبقى فيه حد قريب مني بيحاول يدمره ببطء. قابلني بكرة الساعة تسعة صباحًا في البيت القديم. ما تجيبش معاك أي حد، وما تثقش في أي تقرير جديد قبل ما نراجعه سوا.
سليم حط الورقة على المكتب.
أبويا كان عارف.
ليلى ردت
كان شاكك. لكن الرسالة مش بتقول مين الشخص.
جابر رفع شريط التسجيل.
يمكن ده يوضح.
كان فيه جهاز تسجيل قديم في الدرج السفلي. حاولوا تشغيله، لكنه احتاج إلى توصيله بمصدر كهرباء.
بعد دقائق، اشتغل الجهاز، وخرج صوت مشوش في البداية، ثم ظهر صوت رجل واضح.
صوت والد سليم.
أنا عارف إنك طلبت مني أأجل المواجهة، لكن مش هقدر أستنى أكتر. ابني بقى يشتكي من التنميل، والتحاليل الجديدة مش مطمئنة. أنا مش هسمح لحد يستخدم صحته عشان يسيطر على الشركة.
بعدها جاء صوت آخر، كان أكثر هدوءًا.
صوت الدكتور يوسف.
أنا مش هقدر أتهم حد من غير دليل. لازم نكرر التحاليل في معمل مستقل، ونحتفظ بالعينات بعيد عن المستشفى.
والد سليم رد
والتقارير اللي اختفت؟
يوسف قال
فيه نسخ منها، لكن لازم أوصلها لك بنفسي.
ثم جاء صوت ثالث، واضح وقريب من جهاز التسجيل.
مش هتلحقوا تعملوا أي حاجة.
سليم تجمد مكانه.
ليلى رفعت إيدها على بقها.
الصوت كان مألوفًا.
مألوفًا لدرجة إنها عرفته قبل ما التسجيل يكمل.
صوت حسام البدري.
كل حاجة اتأمنت. مفيش ورقة هتخرج من المستشفى، ومفيش حد هيصدق كلامكم بعد اللي هيحصل.
ثم صوت والد سليم، غاضبًا
إنت بتعترف بإيه يا حسام؟
حسام رد
أنا ما اعترفتش بحاجة. إنت اللي مش فاهم إنك خسړت من زمان.
بعدها صدر صوت ارتطام قوي، ثم انقطع التسجيل.
سليم فضل ساكتًا، وعينيه مثبتتين على الجهاز.
ليلى قالت بصوت ضعيف
ده صوت حسام.
سليم أومأ.
أيوه.
جابر قال
لازم نحتفظ بالتسجيل، ونسلمه لجهة التحقيق.
سليم وافق.
لكن قبل ما حد يتحرك، ليلى قلبت الصورة العائلية اللي كانت في الصندوق.
على ظهرها كان مكتوب بخط والد سليم
لو حصل لي شيء، اسألوا عن الطفل اللي أنقذه منصور.
ليلى رفعت عينيها ببطء.
الطفل اللي أنقذه أبويا؟
سليم قرب منها، وقرأ العبارة أكثر من مرة.
مين الطفل ده؟
ليلى هزت راسها.
ما أعرفش.
جابر فحص الصورة من الأمام.
كانت صورة لوالد سليم واقفًا أمام البيت، وبجواره الدكتور يوسف ومنصور عبدالعزيز، وفي الخلفية طفل صغير لا يتجاوز السابعة.
الطفل كان واقفًا بعيدًا عن الكاميرا، ووشه غير واضح.
لكن في إيده كانت فيه علامة مميزة.
سوار معدني صغير، عليه نفس الرمز اللي ظهر على شنطة الدكتور يوسف.
ليلى قالت
لازم نعرف مين الطفل ده.
سليم رد
هنعرف.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت موبايل جابر.
رد، واستمع لدقيقة كاملة من غير ما يتكلم.
بعدها أغلق المكالمة، ووشه اتغير.
سليم سأله
إيه اللي حصل؟
جابر قال
الدكتور فؤاد اختفى من المستشفى.
اختفى إزاي؟
خرج قبل وصول فريق التحقيق، وساب مكتبه مفتوحًا.
ليلى سألت
والملف الأصلي؟
جابر أخرج من جيبه صورة أرسلها أحد الحراس.
كانت صورة درج المكتب بعد اختفاء فؤاد.
الدرج فارغ.
لكن على سطح المكتب، كانت هناك ورقة واحدة، مكتوب عليها بخط واضح
لو عايزين تعرفوا مين الطفل، اسألوا أم عمر.
ليلى شهقت.
سليم الټفت إليها بسرعة.
أم عمر؟
ليلى كانت بتبص للورقة، ووشها بدأ يفقد لونه.
أنا… أنا مش فاهمة.
لكنها كانت فاهمة أكثر مما تريد الاعتراف به.
لأن أم عمر، جدتها لأمها، كانت الست الوحيدة اللي احتفظت بصورة قديمة لوالدها، وكانت دايمًا تقول لها إن فيه سرًا لازم تعرفه يومًا ما.
جدتها ماټت من خمس سنين.
والصورة القديمة اختفت يوم ۏفاتها.
سليم قال
ليلى، إنتِ تعرفي حاجة؟
ليلى رفعت عينيها، والدموع متجمعة فيها.
جدتي كانت بتقول إن أبويا أنقذ طفلًا من حاډثة قديمة، وإن الطفل ده كان السبب في إن حياتنا كلها اتغيرت. أنا كنت فاكرة إنها بتحكي حكاية من حكايات زمان.
سليم قرب منها.
كانت تعرف الطفل؟
أيوه. وكانت بتقول إن اسمه الحقيقي مش اللي الناس تعرفه بيه.
جابر قال
يعني ممكن يكون حد عايش باسم مختلف.
ليلى هزت راسها.
جدتي قالت لي مرة جملة عمري ما نسيتها الطفل اللي أبوكي أنقذه، لما يكبر، هيبقى هو مفتاح الحقيقة كلها.
سليم بص لها طويلًا.
وإنتِ فاكرة اسمه؟
ليلى أغمضت عينيها، وحاولت تسترجع كلام جدتها.
ثم فتحت عينيها فجأة.
كان اسمه… فؤاد.
سليم اتجمد.
الدكتور فؤاد؟
ليلى هزت راسها ببطء.
مش عارفة. جدتي قالت إن اسمه الحقيقي كان فؤاد، لكن ما قالتش اسمه بالكامل.
سليم رجع بكرسيه خطوة، وكأن كل شيء انهار من حوله.
الدكتور اللي عالجه عشرين سنة.
الرجل اللي أكد له مرارًا إن حالته ميؤوس منها.
الرجل اللي اختفى بعد ظهور أول استجابة في جسده.
هل كان هو الطفل الذي أنقذه منصور؟
هل كان يعرف الحقيقة منذ البداية؟
ولماذا ظل قريبًا من سليم كل هذه السنوات؟
قبل أن يجد أيٌّ منهم إجابة، رن هاتف ليلى مرة أخرى.
كانت رسالة صوتية من رقم مجهول.
فتحتها، وخرج صوت رجل مسن، متعب، لكنه واضح
يا ليلى، لو سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أوصل لك. ما تثقيش في الدكتور فؤاد، لأنه مش الشخص اللي فاكرة إنه هو. اسألي سليم عن اسم أمه، وعن اليوم اللي اتولدت فيه. الحقيقة مش في الحاډثة بس… الحقيقة بدأت قبل الحاډثة بسبعتاشر سنة.
انتهت الرسالة.
ليلى بصت لسليم.
اسم أمك إيه؟
سليم رد، وهو لا يزال مذهولًا
مريم.
وتاريخ ميلادك؟
قال لها التاريخ.
ليلى بدأت تحسب في ذهنها، ثم شهقت.
ده نفس اليوم اللي جدتي قالت إن أبويا أنقذ فيه الطفل!
سليم قبض على مسند الكرسي.
يعني إيه؟
ليلى ردت بصوت مرتعش
يعني ممكن تكون إنت الطفل اللي أبويا أنقذه.
ساد الصمت.
سليم كان يحدق فيها، وكأنه يحاول أن يرفض الفكرة قبل أن يفهمها.
أنا؟
ليلى أومأت.
جدتي كانت بتقول إن أبويا أنقذ طفلًا في نفس اليوم اللي اتولدت فيه. وإن الطفل ده كان عنده علامة صغيرة في كتفه، وإن عيلته ما كانتش تعرف إنه اتبدل في المستشفى.
سليم رفع إيده ببطء ناحية كتفه الأيسر.
كان عنده فعلًا أثر قديم، صغير، لم يعرف سببه يومًا.
لكن قبل أن يتكلم، وصلتهم رسالة أخرى.
صورة لورقة من سجل مستشفى قديم.
فيها اسم طفلين وُلدَا في نفس الليلة.
الأول سليم
عادل المنشاوي.
والثاني فؤاد محمود عبدالسلام.
وتحت الاسمين،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *