روايه كامله

موقع أيام نيوز

بتحاول تمنع دموعها من النزول.
سليم كان بيراقبها في صمت.
وبعدين الټفت لجابر.
اتصل بمدير المستشفى. كل مصاريف علاج الطفل تتدفع، والدوا يتوفر الليلة، ومن غير ما حد يضايق أمه أو يسألها عن أي حاجة.
ليلى رفعت عينيها له.
ليه؟
سليم رد ببرود
اعتبريه تمن الجلسة اللي إنتِ عملتيها.
هزت راسها بالرفض.
أنا ما عملتش حاجة تستاهل كل ده.
وأنا ما طلبتش رأيك في فلوسي.
كانت الجملة قاسېة، لكن ليلى ما نزلتش عينيها.
فلوسك تخصك، لكن كرامتي تخصني. أنا وافقت أساعدك، مش أبيع نفسي ولا أسكت عن حقي.
جابر بص لسليم، مستني يشوف رد فعله.
أما سليم، ففضل باصص لها وقت طويل، وبعدها قال
إنتِ غريبة فعلًا.
ردت ليلى بهدوء
يمكن عشان أنا مش عايزة منك غير حق ابني.
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل الدكتور فؤاد، رجل في أواخر الستينات، شعره أبيض ووشه مرهق، لكنه أول ما شاف ليلى واقفة جنب الكرسي، وقف مكانه كأنه شاف شبح.
الملف وقع من إيده.
سليم لاحظ.
جابر لاحظ.
وليلى نفسها ما فهمتش سبب الړعب اللي ظهر في عينيه.
سليم قال ببطء
خير يا دكتور؟ شفت عفريت؟
فؤاد حاول يبتسم، لكن شفايفه ما ساعدتهوش.
أبدًا يا سليم بيه. أنا بس ما كنتش متوقع وجود حد غريب في الوقت ده.
سليم أشار ناحية ليلى.
دي الست اللي خلت دراعي يتحرك.
الدكتور بص لها بسرعة، وبعدين رجع بص لسليم.
يتحرك إزاي؟
إنت سمعتني.
ده مستحيل.
سليم ضړب بإيده على مسند الكرسي.
إنت دكتور ولا بتردد كلام محفوظ؟ أنا بقول لك إني حسيت بحاجة ما حسيتهاش من عشرين سنة!
فؤاد قرب منه، وبدأ يفحص دراعه، لكن إيده كانت بترتعش. ضغط على أصابع سليم، وطلب منه يحاول يحركها.
سليم حاول.
ما حصلش شيء واضح.
الدكتور تنفس براحة مبالغ فيها، وقال
شايف؟ ده مجرد إحساس عابر. لازم ما نديش نفسنا أمل كاذب.
ليلى كانت واقفة على بعد خطوتين، بتراقب وشه.
قالت
ممكن أفحصه تاني؟
فؤاد الټفت لها بعصبية.
إنتِ مش طبيبة أعصاب، ومش من حقك تتدخلي في حالة معقدة زي دي.
ردت من غير ما تعلي صوتها
أنا ما قلتش إني طبيبة أعصاب. لكن أنا اشتغلت سنين في التأهيل الحركي، وطلبت فحص متخصص من البداية. مفيش داعي إننا نحكم من محاولة واحدة.
سليم بص للدكتور.
هي عندها حق.
فؤاد اتوتر.
يا سليم بيه، حضرتك عارف إن أي إجهاد ممكن يسبب لك مضاعفات.
يبقى هات التقرير الطبي القديم.
الصمت نزل على الأوضة.
فؤاد قال بعد تردد
أي تقرير؟
سليم مال بجسمه لقدام.
التقرير اللي اتعمل بعد الحاډثة. عايز النسخة الأصلية، مش الملخص اللي إنت بتجيبهولي كل سنة.
فؤاد حاول يضحك.
التقارير كلها موجودة في الأرشيف.
كويس. هات الأصل.
الموضوع محتاج وقت.
سليم ابتسم ابتسامة خالية من أي دفء.
عندك ساعة.
الدكتور ما ردش، واكتفى إنه طلب من جابر يوصله للباب.
لكن قبل ما يخرج، ليلى لاحظت حاجة صغيرة جدًا.
إيد فؤاد كانت مقفولة على ورقة بيضا، والورقة دي كان مكتوب في طرفها بخط أزرق رقم قديم.
نفس الرقم اللي ظهر في الملف اللي سليم فتحه من شوية.
رقم ملف الحاډثة.
بعد خروج الدكتور، سليم طلب من جابر يقفل الأبواب الخارجية، وبعدين أشار لليلى تقعد على كرسي قريب منه.
هي فضلت واقفة.
أنا مش هقدر أشتغل وإنت مخبي عني معلومات مهمة عن حالتك.
سليم رد
إنتِ عايزة تعرفي إيه؟
كل حاجة حصلت يوم الحاډثة.
ملامحه اتصلبت.
ده مش موضوعك.
يبقى أنا همشي.
اتحركت ناحية الباب، لكنه وقفها بصوت حاد
استني!
ليلى وقفت، لكن ما رجعتش.
سليم أخد نفس طويل، وكأنه بيحاول يختار بين إنه يطردها، أو يقول كلام عمره ما حكاه لحد.
وبعد لحظات قال
أبويا ماټ في الحاډثة. وأنا كنت راكب جنبه. العربية اتقلبت على طريق إسكندرية الصحراوي، واتنقلت المستشفى في حالة صعبة. لما فوقت، قالوا لي إن الحبل الشوكي اتضرر، وإن رجوعي للمشي شبه مستحيل.
ليلى سألته
مين كان سايق؟
السواق بتاعنا. ماټ هو كمان.
والدك كان عنده أعداء؟
سليم بص لها بحدة.
أبويا كان رجل أعمال كبير. طبيعي يكون له أعداء.
طب الحاډثة اتعمل لها تحقيق؟
اتقفلت باعتبارها حاډثة طريق.
ليلى فضلت ساكتة، وبعدين قالت
وإنت صدقت ده؟
سليم حرك فكه بعصبية.
أنا وقتها كنت بين الحياة والمۏت. وبعد ما خرجت من المستشفى، كان عندي شركة پتنهار، وناس بتحاول تاخد مكاني، وديون بالملايين. ما كانش عندي رفاهية إني أقعد أفتش في الماضي.
بس الماضي هو اللي ممكن يكون رابطك بالكرسي لحد النهارده.
سليم ضحك بمرارة.
إنتِ متخيلة إن حد يقدر يمنعني أتعالج؟ أنا جبت أطباء من أربع قارات. صرفت فلوس تكفي تعالج مدينة كاملة. لو كان فيه علاج، كنت وصلت له.
ليلى قربت منه.
أنا مش بتكلم عن العلاج بس. أنا بتكلم عن إنك ممكن تكون اتعرضت لتشخيص غلط، أو إن فيه إصابة ما اتفهمتش كويس، أو إن التأهيل اتوقف بدري. لازم نراجع كل حاجة من الأول.
سليم سكت.
كان فيه شيء في كلامها بيفكره بحاجة قديمة، حاجة كان بيهرب منها كل ما يحاول يفتكر الأيام الأولى بعد الحاډثة.
قال أخيرًا
كان فيه دكتور شاب وقتها. اسمه يوسف. هو الوحيد اللي قال لأبويا قبل الحاډثة بيوم إنه لازم ياخد باله من حاجة.
ليلى عقدت حاجبيها.
حاجة إيه؟
ما أعرفش. أبويا طلب منه يسكت، وبعد الحاډثة الدكتور اختفى.
اختفى إزاي؟
استقال من المستشفى وسافر، حسب اللي قالوه لي.
ليلى سألته
وعرفت هو سافر فين؟
سليم هز راسه.
دورت عليه سنين. كل ما أوصل لخيط، يختفي. وبعد فترة بطلت أدور.
في اللحظة دي، موبايل جابر رن.
رد بسرعة، واستمع لثواني، وبعدها وشه اتغير.
يا باشا، عندنا مشكلة.
سليم سأله
إيه؟
أوضة الأرشيف اتفتحت، وفيه حد ډخلها من شوية.
ډخلها مين؟
الكاميرات وقفت لمدة سبع دقايق، ولما رجعت، لقينا درج ملفات الحاډثة مفتوح.
سليم رفع عينيه ناحية ليلى.
والملف الأصلي؟
جابر بلع ريقه.
اختفى.
سليم ما اتحركش، لكن صوته بقى أبرد من أي وقت.
اقفل القصر كله. محدش يخرج.
جابر اتحرك فورًا.
أما ليلى، فحست إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد رجل محتاج علاج.
عدت ساعة كاملة، وليلى قاعدة في الصالون الكبير، بتبص من الشباك على النيل، وكل شوية تفتح تليفونها تطمن على عمر.
كانت عايزة تمشي، لكن سليم طلب منها تفضل لحد ما الدكتور يخلص الفحوصات الأولية.
في الوقت ده، دخلت ست كبيرة في السن، لابسة ملابس بسيطة وأنيقة، وشعرها أبيض مربوط ورا راسها.
كانت اسمها نوال، مدبرة القصر، والست الوحيدة اللي سليم كان بيسمح لها تدخل أوضته من غير استئذان.
حطت قدام ليلى كوب شاي وقالت
إنتِ ليلى؟
ليلى ابتسمت بتعب.
أيوه.
نوال بصت حواليها، وبعدها قربت منها وهمست
إنتِ اللي خليتي إيده تتحرك؟
ليلى ردت بحذر
حصل إحساس بسيط، ولسه ما نعرفش سببه.
نوال هزت راسها، وعينيها لمعت بالدموع.
ربنا يكتب على إيدك الخير. الراجل ده كان طفل طيب، والله العظيم كان طفل طيب.
ليلى استغربت.
إنتِ تعرفيه من زمان؟
نوال ابتسمت بحزن.
أنا اللي ربيته تقريبًا بعد ۏفاة أمه. كنت معاه من وهو عنده سبع سنين. شفته وهو بيضحك، وشفت أول يوم ركب فيه عجلته، وشفت اليوم اللي رجع فيه من المستشفى وهو مش قادر يحرك رجليه.
ليلى سألتها
هو ما كانش عنده أي مشكلة قبل الحاډثة؟
نوال اتلفتت ناحية الباب، وبعدين قالت بصوت أوطى
كان عنده مشكلة في إيده من قبل الحاډثة بشهرين. كانت بتنمل، وأحيانًا تقع منه الحاجات. الدكتور يوسف كان بيتابعه، وكان بيقول إن لازم يعمل فحوصات معينة.
ليلى حست بقشعريرة.
إيده كانت بتنمل قبل الحاډثة؟
أيوه. وسليم كان بيشتكي لأبوه، لكن محدش كان بياخد الموضوع بجدية. وبعد الحاډثة، كل حاجة اتغيرت.
ليلى كانت لسه
هتسأل سؤال تاني،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *