امان مستعار

لم تكن ليان تعلم، وهي تخطو خارج أبواب المركز الطبي بخطوات ثقيلة محملة ببراءة الذمة، أن هذه الأوراق المختومة التي تضمها إلى صدرها لن تكون نهاية المطاف لهذا اليوم. كانت قد جاءت لتغلق حسابًا ماليا مع عائلة الشافعي و تبرئ ذمة أسرتها تمامًا، لكنها لم تكن تعرف أن سداد المال لن يعني بالضرورة إغلاق ذلك الباب الذي انفتح غصبا داخل قلبها.

خرجت برفقة صديقتها سلمى إلى الشارع المعتم مع هبوط أثواب الغروب، وظلت تمشي إلى جوارها بصمت. كانت تحاول أن تبدو ثابتة، لكن عينيها ظلت معلقتين بزجاج المركز خلفها، وكأنها تبحث عن أثر لنظرة علوية تعرفها جيدًا.

أدركت سلمى شرودها، فمالت عليها وقالت بسخرية ذكية:

ـ متبصيش وراكي… الطريق مش موجود فوق في الدور التالت عند مكتب دكتور سليم.

انتفضت ليان و أشاحت بوجهها بضيق:

ـ سلمى… كفاية. أنا بس كنت فاكرة إن لما أقفل حساب مالك، هقدر أقفل كل حاجة.

ضغطت سلمى على يدها بدعم صامت، وظلت ليان تصارع الخوف والحيرة؛ فهي لم تأتي هربا ولا شوقا، بل بـ”روح المواجهة” لتسدد ما عليها وتواجه أبيها محمود الذي يتردد صوته المحذر في أذنها كالصاعقة: “أوعي رجلك تخطي أرض فيها حد من العيلة دي تاني”.

وفي الأعلى… كان سليم يقف خلف زجاج نافذته في الطابق الثالث، يراقب طيفها المبتعد برفقة صديقتها. ضم قبضته بقوة حتى ابيضّت مفاصله، وعيناه تشتعلان بتناقض مؤلم بين الكبرياء والشك والحب المجهد. كانت ظنونه تعصره طوال الأربعة أيام الماضية؛ يتساءل بينه وبين نفسه إن كان وجود طفلهم في مركزه صدفة، أم لعبة مدروسة من والدها محمود النوحي لتدمير عائلته. رن هاتفه برسالة من أخيه ياسين يطلبه في المكتب، ثم اقتحم عمر الشريف الغرفة كعادته وقال بنبرة ملغومة:

ـ راحت يا سليم… بس خليك فاكر، البنت دي مش ملف تفتحه و تقفله وقت ما تحب. لو بتحبها، متخليش خوفك من فرق السن بينكم يخليك تخسرها .

لم يتحمل سليم. أحرقه المشهد من أعلى، ولم يستطع أن يتركها ترحل وهي تظن أنها أغلقت الكتاب ورمت مفتاحه في البحر. غادر مكتبه بخطوات سريعة وسار بسيارته السوداء يتبع أثرها ببطء شديد.
——————–
كانت ليان قد استأذنت من سلمى لتتجه بمفردها نحو المكتبة التي تعمل بها لجمع بعض الكتب المرجعية وتسليم مفاتيح درجها. وقبل أن تصل إلى الشارع الرئيسي، توقفت تلك السيارة الفخمة بجوارها فجأة. انخفض زجاج النافذة، وظهر سليم ، بعيناه الداكنة تتفحص وجهها بحدة ومشاعر حارقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *