السر المدفون1

كانت بتحكي لزميلتها عن ماضيها المؤلم، من غير ما تعرف إن أخطر زعيم مافيا في مصر قاعد وراها وبيسمع كل كلمة بتقولها. الساعة ستة بالظبط، الباب الجانبي لحانة قديمة في وسط البلد اتفتح، وطلعت منه ريحة ساكنة في الحيطان من قبل ما مريم الدمنهوري تتولد بسنين طويلة؛
ريحة بيرة متشبعة في الخشب العتيق، وملمع نحاس، وأثر سيجار قديم محدش في المكان فاكر صاحبه. دخلت مريم وهي لسه لابسة معطفها، ووقفت لحظة في الضلمة، بتسمع صوت المبنى وهو بيهدى ويستقر. بقالها أربع سنين شغالة ست ليالي في الأسبوع، من الساعة ستة المغرب لحد اتنين بعد نص الليل.
كانت حافظه المكان حتة حتة، لدرجة إنها ممكن تشتغل فيه وهي مغمضة عينيها. عارفة أنهي ترابيزة من الترابيزات الإحدى عشر رجلها بتتهز، وأنهي كرسي من الأربعتاشر اللي عند البار اتغير جلده كذا مرة لحد ما لونه مبقاش شبه الباقي.
عارفة إن ماكينة التلج بتحتاج تسع دقايق عشان تعوض التلج اللي اتسحب منها لو حد استخدمها كتير. وعارفة إن يافطة النيون اللي في الشباك الأمامي بتطلع صوت زنّة بتصدع زميلتها روز، لكن عمر الصوت ده ما ضايقها هي. ربطت المريلة حوالين وسطها، وحست بوزن الكشكول الصغير اللي في جيبها اليمين.
كشكول جلد بني، أطرافه مستهلكة من كتر الاستعمال، ومن النوع اللي محدش يبص له مرتين. كل مبلغ بتسدده من ديونها كانت بتسجله في الصفحات الأخيرة بخط صغير ومرتب. في الأسبوع الكويس، كانت بتكتب مبلغين. وفي أغلب الأسابيع، مبلغ واحد بس.
وعدت عليها شهور ما قدرتش تدفع فيها أي حاجة، ومع ذلك كانت بتكتب التاريخ، بس عشان تثبت لنفسها إنها لسه بتعد الأيام ومبطلتش تحاول. حوالي الساعة سبعة، دخل عم جابر البافيتوس، صاحب الحانة، راجل عنده تلاتة وستين سنة، جسمه عريض وملامحه بتقول إنه قضى عمره كله بيشيل أحمال تقيلة.
كان بيتكلم في التليفون وهو داخل، وما قالش حتى مساء الخير. دخل على طول مكتبه اللي في آخر الممر، والتليفون لازق في ودنه، وإيده الفاضية بتتقفل وتتفتح بعصبية، كأنه بيحاول يمسك حاجة مش موجودة. مريم سمعت كلمتين قبل ما الباب يتقفل، واحدة منهم كانت: «أرجوك».
ما اهتمتش أوي. عم جابر بقاله سنين بيتخانق مع ناس بسبب الفلوس؛ مرة مع موزع البيرة، ومرة مع شركة المفروشات، ومرة مع الحي بسبب تصريح الرصيف. الخناقات عمرها ما غيرت حاجة، لكنه كان بيكررها برضه.




