السر المدفون1

لكن لما عم جابر رجع، كان وشه شاحب لدرجة إنه بقى شبه لون الفوطة اللي في إيده، وأصابعه بتترعش. مريم اشتغلت معاه أربع سنين، وعمرها ما شافته بالحالة دي. افتكرت إن الموضوع فلوس كالعادة، فرجعت تغسل الكوبايات وكأنها ما شافتش حاجة.
الساعة اتناشر وعشر دقايق، دخل راجل لوحده وقعد في آخر البار، وطلب كاس ويسكي شربه بسرعة زيادة عن اللزوم. ولما طلب كاس تاني، مريم صبت له كمية زيادة بسيطة عن العلامة المعتادة، زي ما بتعمل دايمًا مع الرجالة اللي بيدخلوا لوحدهم بعد نص الليل.
ما كانتش بتشرح لحد سبب عادتها دي. حتى روز نفسها ما كانتش تعرف. الراجل والست اللي كانوا بيتخانقوا في الركن اتصالحوا، والرجالة اللي في العربيات السودا بره ما اتحركوش من أماكنهم. قبل الساعة واحدة بعشر دقايق، الراجل اللي في البوث رقم تسعة دفع الحساب كاش، وقف، قفل أزرار معطفه، وخرج من الباب.
مريم تابعته بعينيها وهو بيطلع للشارع ويلف ناحية الشمال. بعد حوالي عشرين دقيقة، وهي شايلة رف عليه كوبايات مغسولة وبتعدي من جنب الشباك المعتم، لمحت حاجة على الترابيزة اللي كان قاعد عليها. موبايل أسود أنيق، متساب على وشه فوق الخشب الغامق.
نادت على روز: «يا روز، الراجل بتاع القهوة نسي تليفونه.» روز ردت من بعيد: «يبقى هيرجع ياخده.» مريم بصت ناحية الباب الجانبي اللي بيطل على الحارة، الباب اللي موزع البيرة بيستخدمه، واللي عم جابر ما كانش بيقفله غير وقت الإغلاق، خصوصًا إن مواعيد التوصيل اتلخبطت من الربيع اللي فات.
كانت لسه بتبص عليه لما الباب اتفتح. الراجل دخل من المخزن، وعدى من بين كراتين البضاعة المتكومة وحوض المسح، وسط ريحة الكرتون المبلول. كان فاضله تلات خطوات على البوث، وإيده بدأت تتمد ناحية الموبايل، لكن الشاشة نورت فجأة، والتليفون اهتز فوق الترابيزة بصوت مسموع في هدوء المكان. بص على الشاشة.
وبعدين قعد تاني في نفس المكان اللي كان قاعد فيه من ساعة، في آخر البوث رقم تسعة، ورد على المكالمة بصوت واطي ومختصر، زي ما يبدو إنه متعود يعمل في كل مكالماته. قال كلمة واحدة: «برونو.» مريم رجعت تكمل شغلها. ولما المكالمة خلصت، كان المكان اتغير تمامًا.
آخر راجل كان قاعد عند البار مشي، والكراسي اترفعت فوق الترابيزات، ومريم خرجت من ورا البار وقعدت على واحد من الكراسي العالية، ودي كانت أول مرة تقعد فيها خلال تمن ساعات شغل كاملة. روز كانت مسنودة على الكاشير، وقلعت جزمتها من كتر التعب.


