السر المدفون1

» مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عينيها راحت ناحية الكشكول البني اللي حطته على البار. فتحته، وبصت على آخر مبلغ سجلته. كان فاضل عليها مبلغ كبير، أكبر من إنها تتخيل إنها هتقدر تخلصه في يوم من الأيام. قفلت الكشكول بسرعة، كأنها خايفة الأرقام تطلع من الورق وتخنقها.
روز قربت منها وقالت: «طب ما تحكيلي تاني عن أبوكي. إنتِ عمرك ما حكيتيلي التفاصيل دي كلها.» مريم سكتت شوية، وبعدين قعدت على الكرسي.«أبويا كان راجل بسيط. طول عمره بيشتغل عشان يوفر لنا لقمة العيش. يوم الحادثة، كان رايح الشغل زي كل يوم.
أمي كانت بتعمله الفطار، وأنا كنت بتخانق معاه عشان عايزاني أسيب الكلية وأشتغل.» ابتسمت بحزن وهي بتفتكر.«قالي يومها: يا مريم، أنا مش عايز منك غير إنك تكملي تعليمك، وتبقي أحسن مني. أنا تعبت عشان أشوفك في مكان أحسن من المكان اللي أنا فيه.
» عينيها لمعت بالدموع، لكنها مسحتها بسرعة.«دي كانت آخر مرة أسمع صوته.» روز مدت إيدها ومسكت إيدها.«ربنا يرحمه يا حبيبتي.» مريم ضغطت على إيد روز، وكملت: «بعد الحادثة، الشركة بعتت ناس قالوا إن أبويا هو اللي غلطان.
قالوا إنه عدى الخط الأصفر، وإن الحمولة وقعت بسبب إهماله. وأنا كنت صغيرة ومش فاهمة حاجة. كنت لسه خارجة من المستشفى بعد ما أمي تعبت من الصدمة، ولقيت نفسي قدام ورق كتير ومحامين وناس بتتكلم بمصطلحات مش فاهمها. » «وإمضيتي؟» «أيوه.
قالولي لو مضيت، هقدر أخلص إجراءات التعويض بسرعة، وإن الشركة هتتحمل مصاريف العلاج وكل حاجة. بس اللي حصل كان العكس تمامًا.» مريم خفضت راسها.«بعدها اكتشفت إن الورق اللي مضيت عليه كان إقرار بمسؤوليتي عن جزء من الحادثة، وإن الشركة من حقها ترجع عليا بمصاريف معينة.
ومن يومها وأنا بحاول أسدد اللي عليا.» روز قالت بغضب: «يعني استغلوك عشان كنتِ لوحدك ومش فاهمة حاجة؟» مريم رفعت كتفها باستسلام.«مش عارفة. كل اللي أعرفه إن أبويا مـ,ـات، وأنا مش هقدر أرجعه. بس كان نفسي على الأقل ما يخلونيش أعيش كل السنين دي وأنا حاسة إني محبوسة في يوم وفـ,ـاته.
» الكلام ده كان آخر حاجة قالتها قبل ما تطفي الأنوار وتخرج من الحانة. لكن مريم ما كانتش تعرف إن الراجل اللي سمع حكايتها مش مجرد زبون غني. وإن ذكر اسم الرصيف رقم أربعة قدامه، كان زي إن حد فتح باب مقفول من سنين طويلة.





