نار وهدنه9

وكيف لي أن أُخبرك – لا على عجلٍ ولا بكلماتٍ عابرة – أنني أشتاقك شوقًا لا يزول، لا يخف، لا يتبدّل؟
وكيف أبوح لك بأنك ثابت في قلبي كنبضٍ لا يفتر، متورّط بك حدّ اللاعودة، حدّ الغرق الجميل الذي لا نجاة منه ولا رغبة في النجاة؟
أراك في كل شيء…
في دعائي، في ضعفي، في ساعات انتصاري وخيبتي.
أراك كما لو كنتَ قَدري…
عشقي، وأماني، وتوأم روحي الذي ما عرفت روحي ملامحها إلا حين ضمّتها إليك.
أنت البعيد الذي يلوّح لي كالنجم من فوق، يلمع ثم يختفي، فلا أملك إلا أن أُحدّق…
وأنت القريب، القريب جدًا، الذي سكن الروح، واستقر في عمق العمق، دون أن يقرع الباب.
إن جئتَ، ضحكت الدنيا من حولي وكأنها تُقيم عيدًا…
وإن غبتَ، كسا الحزن عيوني حتى صارت كل الأشياء باهتة، وكل الوجوه بلا ملامح.
—

انهار راجح أرضا، الدماء تتدفق من جنبه بغزارة، وعيناه تتسعان بدهشة ممزوجة بالألم، فيما الرجل أفلت نفسه وهرب بأقصى ما يملك من سرعة.
تجمد الزمن في الحارة… والصوت الوحيد الذي بقي، كان أنين راجح، وصرخات تقى المذعورة، وهي تصرخ باسمه كأنها تحاول إعادته من براثن الموت: راجح يا نهار اسود الحقونا يا ناس ياهوو
تجمع الناس كالسيل حول جسد راجح الملقى أرضا، تتعالى الصرخات والهمهمات، تتدافع الأقدام، والعيون متسعة بالذهول.
خرج عز وياسر من دكانهما على وقع الجلبة، ركضا نحو الجموع، يشقان الصفوف بلا رحمة.
رأى عز جسد راجح المسجى على الأرض، تغمره الدماء، وركع جواره، يحتضنه بذعر: راجح!! مين اللي عمل فيك كده؟!
أشار له راجح بيده المرتعشة، وعيناه شبه مطفأتين.
اندفع ياسر، نزع قميصه، وضغط بقوة على الجرح وهو يهدر بانفعال:قوم يا عز، لازم نوديه المستشفى… دمه هيتصفى!
هتف عز، محاولًا رفعه:متخافش يا صاحبي… هناخدك على المستشفى، خليك معايا.
خرج عمار وإبراهيم من المنزل مذعوران، وتجمدت الدماء في عروقهما حين رأوا راجح ينزف بلا حول.
تحرك عمار بسرعة، صعد سيارة عز وقادها للأمام، بينما ساعد ياسر في رفع راجح ووضعه في المقعد الخلفي. جلس ياسر جواره، وركب عز بجانب عمار….وانطلقت السيارة كطلقة نار.
وفي الشرفه …
تراجعت تقى بخطوات مهزوزة، عيناها لا تصدقان ما رأته… حتى سقطت على الأرض، تبكي بحرقة، تحتضن نفسها بذراعين مرتعشتين، تلطم وجهها بنحيب، ثم تغلق فمها بكفها، تمنع صرخة تخرج من الأعماق.




