نار وهدنه9

هز راجح رأسه ببطء، وقال بصوت منهك:هو… أسمر وطويل… وعنده جرح قديم في حاجبه الشمال.
اقترب عمار وحدّق في عينيه باستفهام:يعني إنت مشوفتوش قبل كده؟ أول مرة تشوفه؟
أومأ راجح برأسه نافياً، وتمتم بتعب شديد:أيوه… أول مرة أشوفه في المنطقة !!
ضرب عاشور الأرض بعكازه بقوة جعلت الجميع يصمت، وهتف بصوته الرخيم الجهوري:كفاية يا ولاد… لما يقوم بالسلامة ابقوا اسألوه زي ما انتو عايزين.
أومأ الجميع في هدوء، واقترب عاشور من راجح، وربت على كفه بحنو لا يخلو من قوة رجل عجوز صقلته الأيام، وقال بنبرة حازمة:حمد الله على سلامتك يا ابني… ماتشيلش هم… سيبها على الله.
رد راجح بكلمة واحدة خافتة، لكنها مشحونة بكل ما فيه:
على الله.”
ظلوا يتحدثون لبعضهم بأحاديث جانبية، يحاولون كسر ثقل اللحظة. بعد قليل، نهض ياسر وتمطى قائلاً:أنا هروح ألبس قميص بدل ما أنا قاعد بفنلة كده…
نظر عز وهز رأسه:أيوه، كمان المحلات كلها مفتوحة… ومفيش غير الصبيان اللي شغالين!
اوما ياسر بخفة وبدأ يتحرك نحو الباب، فناداه إبراهيم: استنى يا ياسر… جاي معاك.”
اقترب من راجح وربت على كفه برفق:حمد الله على السلامة يا حبيبي… هجيلك تاني.”
تمتم راجح وهو يبتلع ألمه: تسلم يا اسطا.”
قبل أن يخرج، مر إبراهيم بجانب عمار، ووضع يده على منكبه، وقال بصوت خفيض:هشوف ضي… واطمنك.”
أومأ عمار برأسه، ولم يتكلم. أما إبراهيم وياسر، فانصرفا معًا من الغرفة، يخطوان في ممر المستشفى الذي يضج بالصمت والقلق.
……………………………………..
ف شقه ياسر الهواري
كان الصمت يملأ الشقة حين دلف ياسر، يتقدمه ظله المرتبك في ضوء خافت بالكاد يبدد عتمة المكان. وحدها جنات كانت تجلس في أحد الأركان، تغلفها العتمة، وعيناها اللامعتان بالدموع تشي بأن الليل لم يرحمها.
غمغمت بصوت خفيض مخنوق:لسه بدري يا بيه… ده يدوب الفجر أذن من شوية.”
أدار ياسر رأسه نحوها، والحنق يتفجر من عينيه. بدا منهك، ملوثًا بالدم، ومحملا بما يفوق طاقته. قال بصوت أجش:جنات… اصطبحي. إنتي متعرفيش إيه اللي حصل؟!
نهضت من مكانها واقتربت، وفي صوتها غضب متكوم ككومة رماد تحتها نار:والله… نفسي أفهم إيه اللي حصل بينا… يوصلنا لكده؟
مد ياسر يده وقبض على يدها بقوة، وصاح بعصبية انفجرت بعد كتمان طويل:نفسي مرة واحدة تفكري فيا زي ما بتفكري في نفسك! مش بيهمك غير نفسك… إنتي عايزة إيه، وإنتي ناقصك إيه… وخلاص! الدنيا تتحرق؟ عادي! مش فارقة معاكي!




