نبض الوجع3

دخلت سكون غرفتها وأغلقت الباب خلفها ببطء كأنها تهرب من مواجهة لا تملك لها سلاحا وقفت لحظة تتأمل الفراغ الممتد بين جدرانها كأن صمت المكان ېصرخ بوجهها كلمات زينب التي تسللت إلى قلبها فهزته پعنف لم تتوقعه كانت كلمات حماتها أشبه بمرايا تجبرها على أن ترى انعكاس نفسها كما لم تجرؤ من قبل
جلست على طرف السرير وانكمشت على نفسها كأنها تحتمي من تيار بارد تسلل إلى أعماقها نظرت إلى الأرض طويلا ثم رفعت عينيها نحو المرآة المقابلة فرأت امرأة لم تعد تعرفها امرأة اختفت ملامح الأنوثة منها شيئا فشيئا تحت وطأة التعب والمهام المتراكمة والقلق الدائم على أبنائها
همست لنفسها بصوت متهدج لا يسمعه أحد
سواها
هو عمره ما قصر وياكي يا سكون كان دايما جنبك وانت اللي
وأكملت بحزن على حالهم بسببها
أني اللي انسحبت من غير ما أحس نسيت إني مرته مش بس أم لعياله .
انسابت دمعة ساخنة على خدها لم تكن ناتجة عن حزن بل عن ندم صامت شعرت وكأنها أغلقت الباب في وجه رجل أحبها بصدق دون أن تعي ذلك في خضم تفاصيل الحياة تذكرت كم من مرة عاد إلى البيت متعبا فلم تجد له كلمة حنونة أو نظرة تقدير
كم من مرة تحدثت عن الأطفال وأوجاعهم دون أن تلتفت لحاجته هو إلى من يصغي إليه
نهضت من مكانها ببطء كأنها تحمل ثقل ما ارتكبته من تجاهل ثم اقتربت من النافذة وأزاحت الستار كأنها تفتح نافذة جديدة داخل قلبها كانت السماء تمتلئ بالنجوم وكأنها تهمس لها ما زال هناك وقت ما زال هناك فرصة للعودة سكون.
أخذت نفسا عميقا ومسحت دموعها ثم قالت بصوت خاڤت لكنه حاسم
أني اللي لازم افوق مش هستنى حد يفكرني هو جوزي وأني اللي لازم أحافظ عليه.
كانت نبرتها مزيجا من حزم واعتراف الآن فقط أدركت أنها لم تخسره بعد لكنها إن استمرت بهذا الجمود العاطفي فقد تفتقده إلى الأبد والندم حينها لن يعيد ما مضى
جلست أمام التسريحة وأمسكت بفرشاة شعرها وبدأت تمشط خصلاتها ببطء كأنها تحاول استعادة ذاتها أنثى كانت له وستهتم أن تكون له مجددا كل حركة كانت بمثابة إعلان ناعم عن بداية جديدة
فقد كانت الغرفة هادئة يغمرها ضوء خاڤت قادم من أباجورة صغيرة بينما الستائر الثقيلة تخفي ضجيج العالم خارجها فرشت سكون الأرض ببساط من الورد المجفف وأشعلت شموعا عطرية تنبعث منها روائح فرنسية نفاذة حتى الهواء بدا كأنه يتنفس حبا
وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها لم تكن ترتدي سوى بيجامة قطنية ناعمة بلون رمادي لكنها جعلت البساطة فتنة ضمت شعرها الطويل على كتفها وتركت خصلة تهرب على جبينها كأنها دعوة للدهشة وضعت قليلا من أحمر الشفاه ونقطة عطر خلف أذنيها ثم ضغطت زر الهاتف فبدأت أغنية عبد الباسط حمودة تعانق الحيطان وهي تعلم ان زوجها يعشق تلك الأجواء وقد قررت إدخال السرور على قلبه اليوم فزينب أعطتها نصائح ودرسا اليوم لن تنساها
تنفست بعمق وقلبها يطرق صدرها بإيقاع أقوى من الإيقاع الموسيقي كانت تعرف كيف ترقص له له وحده برقتها بخجلها بحبها
خطت نحو الباب ثم رجعت وضبطت إضاءة الأباجورة قليلا لتكون الأجواء أكثر حميمية انتظرت. دقائق قليلة ثم سمعت صوت خطواته
دخل عمران كعادته يمرر يده في شعره وملامحه مرهقة من يوم طويل لكنه ما إن فتح الباب حتى تجمد مكانه من تلك الأجواء التي حرم منها أعواما وأعوام
وقف مكانه يحدق بها كأنها مشهد حلم فاجأه في منتصف واقعه ثم قال بدهشة منخفضة وهو مازال ينظر حوله بذهول وعدم تصديق
إيه الجو دي والحوار اللي قربت أنساها دي يا أم سليم
رفعت يدها برفق وسحبت خصلة الشعر خلف أذنها وقالت بدلال
أم سليم مستنياك بقى لها كتير متأخر ليه
اقترب بخطوات بطيئة وعيناه لا تزيغان عنها كل شيء فيها بدا له جديدا رغم أنها زوجته منذ سنوات وكأنها تعيده للحظة لقائهما الأول
انت بجد ولا اني هحلم ولا اني دخلت أوضة غلط معقولة جاية اكده من نفسك وعميلتي كل دي علشاني
اقتربت منه وهي تتحسس وجنته بنعومة جعلته أغمض عينيه من اقترابها ودلالها



