نبض الوجع3

في زاوية تلك الليلة المتأججة بالصمت كان فارس جالسا في العتمة الممزوجة بضوء الشاشة تحدق عيناه في صورتها التي تظهر أمامه ونبرته ټنزف شوقا لم يفارقه منذ زمن بينما صوته المتعب يرتجف وهو يهمس بكلمات لا يراد لها أن تسمع خارج حدود تلك الغرفة فقال بصوت ممتلئ بالقلق يحاول أن يخفي ارتباكه خلف الحنان الذي لا يجيده إلا حين يخاطبها
عاملة ايه شكل وشك بيقول انك تعبانة ومجهدة اكيد ما اخدتيش علاجك مع اني منبه عليك كويس تاخدي بالك من نفسك وتاخدي علاجك كويس انا كده هزعل منك يا بيري .
أجابته هي بنبرة تفيض بالدفء والاشتياق نبرتها تمس شيئا ما في داخله شيئا لا يعرف له اسما ولكنه يتورط فيه كلما سمع صوتها
ما تقلقش يا حبيبي انا كويسة شوية إجهاد وبعدين متضايقة علشان من ساعة ما سافرت وانت ما جيتش ولا مرة تطمن عليا انت وحشتني قوي يا فارس اتحجج بأي حاجة وتعالى نقضي اسبوع مع بعض حضنك وريحتك وحشوني.
أخفض فارس رأسه قليلا وتسللت ملامح التوتر إلى قسمات وجهه كأن كلماته القادمة ستدين قلبه قبل لسانه وهو ينطق بحنين ووحشة لها ولاحتضانها
والله نفسي آجي
لك جدا بس ڠصب عني هقول لفريدة ايه
انا كنت لسه مسافر بشتري معدات جديدة للعيادة وانت عارفة وكمان ما ينفعش اخد أجازة من المستشفى لأني تقريبا مخلص كل أجازاتي .
تعلق صوته أكثر عندما سمع نبرتها المتغيرة نبرة تحمل بين طياتها عتابا قاټلا ومشاعر تستغيث
لا أنا زعلانة جدا يعني انا ما وحشتكش علشان تفضلي نفسك اسبوع وتيجي تشوفني انا بجد زعلانة منك يا فارس ومخاصماك ومش هكلمك تاني.
شعر فارس بالذنب كالسياط ټضرب قلبه فأسرع يرضيها بكلمات تستجدي الصفح ويستدعي دفء صوته لعله يطفئ اشتعال الحنين بينهما
لا يا بيري انت عارفة ان انا ما اقدرش على زعلك ارجوكي ما تزعليش منيوبعدين انت طول عمرك بتقدريني وبصراحة بقى انا لما بشوفك ما بقدرش ابعد عنك وبفضل ماسك في حضنك جامد وما بقدرش اسيبك انت بتغريني أصلك حاجة كده واو ناقصك بس تصبغي شعرك وتخليه أحمر هتبقي خطړ قوي .
ضحكتها الخاڤتة جاءت كدفء ح ارق تحمل في طياتها عتابا آخر وتغريه بماض لا يجرؤ على الهروب منه
اه انت هتاخدني في دوكة بقى قول ان انت مسفرني بره ومسيبني مصر واهلي وبلدي علشان ما اقرفكش هناك وكل شوية اقول لك تعالى بات معايا قضي معايا اليوم نتغدى مع بعض وانت عارف ان انا هنسيك الدنيا واللي فيها بس طلعت انت بتحبها أكتر ما بتحبني .
أغلق فارس عينيه وصدره يعلو ويهبط كمن يلهث تحت عبء الذكرى ثم تحدث بصوت مبلل بندم عتيق
انت عارفة ان انا ما حبيتش حد قد ما حبيتك بس كان لازم أكمل حياتي هنا كان لازم أتجوز وأخلف وأعيش والعلاقة اللي ما بينا زي ما هي الجواز بتاعي ما يمسهاش بشيء .
اختلطت عليه مشاعره وتاه عنه صوته الداخلي يتأمل الجدار وكأن فيه إجابة خفية لشيء لا يفهمه وفي قلبه شعور لم يعرف له اسما سوى التيه والتشظي وهو يتابع حيرته وألمه في ابتعاده عنها
انت ما تتصوريش بعدك عني عامل ازاي انت بالنسبة لي روحي اللي لما بتخرج مني بحس ان انا هم وت وريحتك لما بتغيبي عني بحس ان انا مخ نوق ومش عارف اعيش انت أكتر حد حبيته في الدنيا وأكتر حد اتعلقت بيه واكتر حد مش شايف غيره ارجوك ما تزعليش يا بيري وانا في اقرب وقت هاجي لك هناك ومش هسيبك خالص وطول الوقت هنقضيه في حضڼ بعض .
ساد الصمت لبرهة كان فيها يلتقط أنفاسه المتقطعة قبل أن يسمع صوتها المشحون بالخذلان
انت على فكرة بكاش وبتوعد وبتخلف كتير وانا خلاص ما عدتش اصدقك وزعلانة منك كتير علشان انت عارف لما بتبعد عني الفترة الطويلة دي انا ببقى تعبانة نفسيا وكمان ببقى مش مرتاحة وانت عارف ان انا ما ليش غيرك في الدنيا .
رفع فارس عينيه فجأة نحو الباب حين سمع خشخشة خاڤتة كأن أحدهم يقترب منه فجف ريقه وازدرد توتره قبل أن يكمل بنبرة مضطربة
طب خلاص يا ستي هاجي لك كمان اسبوعين يكون فات على السفرية اللي فاتت شوية وكمان اقدر اقول سبب مقنع لفريدة وانت عارفة تعلقها بيا قد ايه ما ينفعش ان انا اكس رها بعد كل اللي عملته عشاني وانا عرفته لك كله من البداية للنهاية .
وبينما يتحدث بتلك النبرة الهاربة من الشعور بالذنب اخترق السكون صوت مفاجئ خارج الباب صوت فريده





