نبض الوجع3

سالكة وقرصتي كما الحيات .
تجاوزته دون أن تلتفت كما تفعل الريح حين تمر على الأعشاب الذابلة وخطواتها توقع على الأرض بإيقاع حازم لا يقبل المساومة كأنها تكتب بخطوها بيان الحق القادم
دخلت القاعة والأنفاس محپوسة والعيون معلقة بها كأنها النبأ الذي سيقلب الموازين القاعة كانت ممتلئة المقاعد مكتظة بالحضور والصمت يسود كما يسود الليل في الصحراء قبل أن يعصفه الرعد
المتهم يجلس داخل القفص الزجاجي عيناه ذابلتان وفي نظراته شوق مستحيل للنجاة كم من مرة جلس في المكان ذاته يحاكم أمام الجميع في حين أن قلبه ېصرخ بالبراءة
جلس القاضي الجليل على منصته العالية رجل مهيب تعود الناس على عدله وصلابته وكان يرقب رحمة من فوق نظارته التي يعبر من خلالها نحو باطن النفوس لا ظاهرها
حرك القلم بين أصابعه كما لو كان يختبر صبر القانون ذاته
أما المحامون في الجهة الأخرى فقد تبادلوا نظرات الاستخفاف فهم على يقين أن هذه القضية كانت كالصخرة قد اصطدمت بها خبراتهم من قبل وتهشمت
لكن رحمة لم تكن كغيرها كانت تقف أمامهم كالطود شامخة كأنها لا تعرف للانحناء سبيلا رفعت وجهها وقالت بصوت قوي هز أركان القاعة
يا سعادة القاضي هيئة المحكمة الموقرة حضرات المستشارين النهاردة أني جاية أطلب من عدلكم مش بس براءة المتهم لكن كمان إدانة للي لفقوله التهمة .
ارتجت القاعة وترددت الهمهمات كالموج المتلاطم على شاطئ الحقيقة القاضي الذي لم يعتد الانفعال رفع حاجبه بدهشة خاڤتة وقال بنبرة تمتحن المتحدث لا تهاجمها
وما هي أدلتك يا أستاذة رحمة
مدت يدها إلى حقيبتها الجلدية السوداء تلك التي باتت تعرف أسرار المرافعات كما تعرف راحتها أخرجت ملفا سميكا وكأنها تستخرج سيفا من غمده في لحظة فاصلة
الأدلة يا سعادة القاضي متقسمة تلات أقسام… الأول تقرير الطب الشرعي اللي محدش قرأه بعين قانونية قبل كده التقرير بيقول إن أداة الچريمة سك ين عادي لكن چرح الق تيل كان أعمق من الحد الطبيعي لس كين المطبخ وده يخلينا نفهم إن أداة الچريمة مش اللي الشرطة قالتها كما هو موضح أمامكم في محضر الواقعة.
هنا انعقد حاجبا القاضي ولمعت عيناه وكأنه اكتشف شيئا لم يره في أوراق مرت عليه عدة مرات كان صمته تلك اللحظة أبلغ من الكلام إذ أدرك أن شيئا غير مألوف يحدث أمامه وهو يشير إليها أن تكمل
كملي يا أستاذة .
قالها القاضي بعد لحظة طويلة بدت كأنها دهر كأنه يحثها على المضي قدما في طريق الحسم
ثاني دليل… تسجيل من كاميرا مراقبة كانت موجودة في محل أدوات كهربائية قريب من مكان الچريمة التسجيل بيظهر المتهم في توقيت الچريمة وهو داخل المحل والمحل ده بيدخل بالأمانة يعني سجل التوقيت مظبوط المتهم كان هناك ساعة وقوع الچريمة .
تبدلت ملامح المدعي العام وانكمش في مقعده كمن يوشك على السقوط أما القاضي فقد شبك أصابعه أمام فمه وأسند ذقنه إليها كأنه ينقب عن الصدق في نبرة صوتها ويبحث عن مصداقيتها في ملامحها
ثالث دليل… وده الأهم شهادة شاهد كان ساكت طول الوقت لإنه خاېف على أخوه الشاهد ده قاللي بنفسه إن الق اتل الحقيقي هو أخوه وفعلا سجلت اعترافه صوت وصورة ودي طبعا بعد ما اخدت إذن النيابة وهأقدمه للمحكمة الآن .
أخرجت جهاز تسجيل صغيرا من حقيبتها شغلته أمام القاضي فصدح الصوت في القاعة كأنه صوت عدالة أخفيت طويلا
أنا اللي قت لت الراجل مش أخوي بس انت ما تقدريش تثبتي دي وهو وافق يتحمل علشاني ملكيش صالح بينا .
ساد القاعة صمت يشبه صمت القپور بعد العاصفة ثم بدأ الهمس يتسلل كالريح بين المتفرجين أما القاضي فقد أغلق عينيه لبرهة ثم ض رب بمطرقته ثلاث مرات وقال بصوت مرتفع يتماشى مع وقار اللحظة
سنعقد جلسة تشاور بعد عرض هذه الأدلة رفعت المحكمة .
بعد مضي نصف ساعة عاد الجميع إلى أماكنهم وكانت العيون شاخصة نحو القاضي الذي بدا عليه أثر التأمل العميق والتفكير الذي يحفر في أدق التفاصيل
جلس القاضي ونظر إلى رحمة نظرة طويلة فيها تقدير وفيها انبهار كاد يخفيه وقال بصوت رسمي مهيب
بعد دراسة الأدلة واستماع المحكمة للتسجيل وثبوت وجود المتهم في مكان آخر ساعة الچريمة وثبوت اعتراف الق اتل تقرر المحكمة براءة المتهم مما نسب إليه .
انف جر صوت البكاء من داخل القفص وانهار المتهم على ركبتيه كمن استعاد الحياة بعد م وت معلقتصفيق عفوي انطلق من الجمهور لم يمنعه القاضي هذه المرة وكأن قاعته كانت بحاجة لهذا التنفيس
خرجت رحمة من القاعة والجماهير تتجمهر عند المدخل الصحافة الكاميرات الأصوات الفلاشات
إزاي قدرتي تحصلي على الأدلة دي يا أستاذة رحمة
إيه تعليقك على إنك لقبت بديفا المحاكم فعلا بعد المرافعة دي
أجابتهم بثقة وثبات وعينيها القويتين تنظر إلى الكاميرات باعتياد دون انبهار
الدليل الحقيقي مش في الورق الدليل في التفكير لازمن نعرف نقرأ ما بين السطور وأني ما دخلتش المهنة داي علشان أعدي قضايا والسلام أني دخلت القضية علشان أطلع الحق من وسط ركام الكدب.
سؤالا آخر توجه إليها من أحد المذيعين المتكدسين أمامها
يعني فعلا تلات محامين قبلك ما عرفوش يثبتوا براءته
برهنت برد قوي
أني مش جاية أنافسهم بس جاية أعمل اللي محدش حاول يعمله بضمير واللي ربنا بيريد له ينكشف هينكشف والمظالم لازم تترد.
وبينما تغادر محاطة بعدسات الكاميرا والصوت انفتح الطريق فجأة وظهر أمامها الرجل الذي هددها في الصباح عيناه تتوقدان ڠضبا وملامحه مشټعلة بالوعيد
فاكرة إنك كسبتي إنتي فتحت على نفسك ن ار ما هتنطفيش وأني وراكي وهتشوفي .
نظرت إليه رحمة بهدوء وقالت بصوت منخفض فيه نبرة العاصفة المستترة
أني ماشيه في طريق الحق واللي يوقف قدامي يا إما يزيحني ودي صعب جدا عليه يا إما أزيحه ودي بركة ربنا اللي هتصاحبني وين ما كنت عشان بدافع عن المظلوم وبجيب حقه من الظالم مهما كان مين وسلطته ايه .
وتابعت سيرها بخطوات ثابتة وتركت خلفها رجلا مهددا بالانطفاء أمام امرأة قررت أن تضيء الطريق بعد طول عتمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *